الرئيسية / هندسة الرواية / الرواية الافريقية… جذور المقاومة اللغوية والثقافية ناصر السيد النور *
الروائي الكيني نغوغي واثيونغو

الرواية الافريقية… جذور المقاومة اللغوية والثقافية ناصر السيد النور *

انتزعت الرواية الأفريقية – السرد الأفريقي- حقها في الحضور العالمي كواحدة من بين تيارات السرد الإنساني بعمق تأريخي شكّل خطاباً مرجعياً جسدته الرواية الأفريقية على إثر الإشكاليات التي سمت الواقع التأريخي ومأزق تأريخ الهوية الأفريقية وتكوّنها في مقاومتها المستمرة ضدَّ عمليات الإزاحة اللغوية والثقافية التي مارستها المرحلة نظم الكولونيالية. وبقي استمرار السرد الأفريقي استمراراً للهوية الثقافية الأفريقية بالتعبير عنها على أكثر من سياق فني؛ فقد تحاملت الدراسات النقدية في مرحلة ما بأخذ الأدب الأفريقي بإعتباره أدباً يعكس ظواهر احتجاجية يتمحل فيها البعد الانثروبولجي تفسيراً لظاهرة لنتائج الممارسة الكولونيالية على بناء تصوّر خارج الحدود الجغرافية للقارة. ويكاد الأدب الأفريقي، الأدب الوحيد الذي أحتفظ بجوهر المكون الأفريقي خارج حدوده متمثلاً في أدب الأميركيين من أصل أفريقي يعرفوا بالـ African Americans، الأمر الذي أستدعى دراسة و تحليل السياقات التأريخية وجذور الثقافة الأفريقية حيثما كان الأفريقي. وهذا الاتجاه من وجهة أخرى قيّد الأدب الأفريقية ضمن خصوصيته الثقافية؛ ولا أدعى على ذلك من رفض الكتاب الأفارقة الكتابة باللغات الاوربية، أي لغة الاستعمار. وإن يكن هذا الاتجاه قد أخفق لعوامل عدة تتعلق بالتطور الثقافي والتعليمي بالقارة.
ومتى ما اقترب الخطاب الروائي متموضعاً بين ثنايا السرد في وجوده النصيِّ لزم ذلك اختياراً واعياً لمقاصد الألفاظ والدلالات والاستعارات تأويلاً لمفردات خبيئة في النص اللغوي تفصح عنها الجمل والعبارات بأصوات الشخصيات الروائية. ومثلما ارتبط دور اللغة في العالم الواقعي كأداة للتواصل بين الإنسان وتفاعله مع الوجود، وهي الحقيقة التي ترددت كثيراً في بحوث الانثروبولجيا، الثقافية فالخطاب الروائي ينحى إلى مفارقة هذا العالم دون التجرّد من معانيه التي يستقيم بها الفهم والإدراك. فإذا أخذنا بالنظرية القائلة بالعالم الموازي الذي يخلقه العالم الخطاب الروائي فإن في تمدد الآفاق التي يصلها السرد تتجاوز كثيرا الخطوط المعيارية للغة، فهو – أي الخطاب الروائي – يخلق عالماً لغوياً موازياً أيضا وثيق الصلة باللغة المتكونة في طبقات سردية أخرى. وبهذا تكون الرواية الأفريقية ضمن نسق هذا العالم السردي وادواته اللغوية.
إنّ اللغة لا تعمد إلى شرح النص الروائي وتحليل نسق البناء اللغوي وعلاقات المفردات والدلالات المعجمية والتركيبية، بل يتم استخدامها بالتطابق والموافقة الموضعية بين مستوى اللغات التي تنطق بها الشخصيات في الرواية والعلامات الأخرى التي توجد بقوة الفعل اللغوي نفسه في النص بتمثلها للأحداث. وبما أن الجدل النقدي قد احتدم حول مسوغات الاستخدام اللغوي ومستوى لغات الشخصية وموقعها في النص ومدى مناسبة اللغة التي تنطق بها؛ خاصة إذا كانت اللغة المستخدمة لا تناسب طبيعة الشخصية في أبعادها الطبقية والمهنية! وإن كان الاتجاه الواقعي في الرواية في القرن العشرين فقد برّر لذلك بمبررات أيدولوجية لا تنتمي إلى النقد العلمي المنهجي. ولكن اللغة تؤسس لنظام، وفي هذه الحالة لا يكون اعتباطاً بما للنظام من عقلانية محددة.




لقد انشغل السرد الأفريقي بتحديات استغرقت وقتاً طويلاً في جدل الخطاب السردي الأفريقي، ومن بين هذه التحديات طبيعة ولغة السرد الذي ظهر في فترة ما بعد الاستعمار خاصة أن النظم الفكرية والثقافية وأدوات أنماط الكتابة الاستعمارية قد تبنتها النخب الأفريقي بعد مرحلة تصفية الاستعمار Decolonialization . فانحصر السرد الأفريقي المكتوب الذي مثلت الرواية إبراز اوجهه. ومن ثّم ابراز سؤال اللغة والهوية الوطنية عقيب بروز الدولة القومية Nation Stateوهويتها الثقافية وكيفية المواءمة بين الثقافات المحلية وأنماطها التعبيرية في نسق بنية التفكير الافريقي ونظمه وإمكانية التعبير عن هذه الثقافات باللغات الاوربية. فالنص السردي الأفريقي لديه تقاليد في النصوص المكتوبة والشفاهية، فالاول معروف نسبياً، على أية حال، فالكتابات الأخيرة باللغات الأوربية، وأما الاشكال غير المكتوبة ليست معروفة أو مقيمة والبعض منها لا يطابق معايير الثقافات المكتوبة فمن الصعوبة تسجيلها وتقديمها. بهذا الملاحظة الظاهرية يمكن تلمس حدة التضاد في رؤية الكاتب الأفريقي للتعامل مع واقعه ومعايير العالم المفترضة في الكتابة وتمثل ثقافته. كثير من الكتاب (الروائيين الأفارقة) حاول رفض استخدام اللغات الأوربية في كتاباتهم السردية، ومنهم الروائي الأفريقي المؤسس واثينغو واغوغي، إلا المعارضة التي وجدها من زملائه تمثلت في أن الكتابة بتلك اللغات فيها إثراء لهذه اللغات. إي يكن حجم المفارقة بين خطاب لغتين، يكون السرد الروائي الأفريقي رافداً إنسانيا في التجربة السردية الروائية، وينبغي رؤية هذا السرد في البنية المتصورة عن تكوينات ثقافية في عمق المجتمعات التي قاومت بوعي منها المحافظة على خصائصها الثقافية واللغوية؛ على خلاف نتائج المباحث الانثروبولوجية التي أطرت هذه الخصائص في اطار ضيق بوسمها بالثقافات البدائية Primitive Cultures داخل نسق العقل البدائي Primitive Reason على تضاد ماهيتي العقل و عقلانية التفكير و أنماطه.
إذا أخذنا الرواية الأفريقية الأشهر الأشياء تتداعىThings Fall Apartمثالاً كما تُرجمت إلى العربية (حيثما اتفق من حيث دلالة فعل التداعي، والسقوط و الإنهيار _ بحسب اختيار المترجم) للروائي النيجري تشنوا آشيبي (1930-2013م) أسست للرواية الأفريقية و ألقت بأثرها على الآداب والتاريخ و الانثروبوجيا للقارة الأفريقية منذ صدورها في خمسينات القرن الماضي؛ ولأنها شكّلت فيما بعد ما يمكن وصفه بأثر تشنوا آشيبي Chuna Achebe Effect في الأدب الأفريقي . وبلغ من هذا التأثير أن إنتهى إلى رؤية كلية من منظور التأريخ النقدي و التصنيف الاثنولوجي لظاهرة الرواية الأفريقية؛ والأدب الأفريقي بعامة عند اخضاعه للدراسة النقدية تحيل على مقارنة ( ادب مقارن) أي بمعنى أدب نشأ على خطاب مضّاد على الأدب الغربي و خصوصاً الرواية. فرواية الأشياء تتداعي جاءت كما يقول تشنوا آشيبي كرواية يكتبها الأفارقة وليست كالروايات التي كتبها غربيون عن أفريقيا، مثل في قلب الظلام لجوزيف كونراد التي قرأها تشنوا و من ثَّم كتب روايته الأشهر متخذاً من ثقافة مجتمع أفريقي مجسداً ثقافة أفريقية و كيف أن المستعمر . ورواية لاقت حظها من النشر على مستوى عالي و ترجمة تجاوزت الخمسين لغة، والأهم من ذلك أصبحت نقطة فاصلة في تاريخ الرواية الأفريقية؛ ثمة مرحلة ما قبل وبعد رواية الأشياء تتداعى في تاريخ لغة الأدب الأفريقي على نحو ما تنزّع إليه الدراسات النقدية في الجامعات الغربية.
ويقوم منهج التقييم الغربي في اعتبار الرواية ومؤلفها وما يمثله من علامة ومهاد في السرد الأفريقي على نسق كرونولوجي تأريخي، فالرواية على مدافعات الأدباء الأفارقة في نمط السرد الأفريقي وسياقه الذي يختلف عن الرواية الغربية التي هي الكتابة، إلا أن اللغة التي كتبت بها، أي اللغة الأنكليزية. فقد شكلت اللغات الغربية، لغة الأستعمار في الأدب الأفريقي تحدياً لاجباً وسط مناقشات الأدباء الأفارقة.
لقد عكست الروائية الأفريقية عالمين يمثلان واجهتين لعالمين من حيث اللغات المستخدمة في كتابتها، اللغتين الأنكليزية والفرنسية. واللغة المستخدمة في إنتاج النصوص السردية والروائية لابد أن تحمل بخصائصها الثقافية وطبيعية تركبيبها النسقي وارتباطها الوجداني وتعبيرها عن العالم بما يحكمها نظمها في تشكيل العلامات وارتباط ذلك بشخصيتها اللغوية ضمن عوامل أخرى تقع في السياق الاجتماعي والتاريخي للغة. وكان في ظهور الأدب الأفريقي المكتوب بهاتين اللغين النتيجة المنطقية للمرحلة الأمبريالية التي تقاسمت فيها كل من فرنسا وبريطانيا البلدان الأفريقية، وعملت على ترسيخ لغاتها وأنماط حياتها في مؤسسات التعليم والحكم والإدارة، تلك المحاولات التي هدفت إلى محو الثقافات المحلية وطمس هويتها الأفريقية. ودشنت الرواية الأفريقية نصوصها باللغات الأوربية باتجاهين، فمثلت اللغة النصوص المكتوبة باللغة الفرنسية ما بات يعرف بالاتجاه الفرانكفوني بينما اللغة الإنكليزية ظلت مع مجموعة دول الكومنولث. وواجهت تلك النصوص بلغاتها الأوربية من منظور اللغات التي كتبت بها ولذلك شكلت عالمين بحسب كل لغة وما تعبر عنه من تصورات ترتبط بسياقها الداخلي في تصّور العالم.
ويرى بعض الكتاب الأفارقة في المرحلة التي أعقبت الاستعمار إن استمرار الكتابة باللغات الأوربية استمرار لأحد أخطر أدوات الأستعمار، ويعد الروائي الأفريقي (الكيني) نغوغي واثنغو بأن اختيار واستخدام اللغة يعد مركزياً للأشخاص فيما يتعلق بتعريف أنفسهم من حيث بيئتهم الطبيعية والاجتماعية، وحتى بالنسبة إلى الكون. ولا ننسى موقف نغوغي الذي مرّ بنا حول دعوته لاستخدام اللغات الأفريقية المحلية في كتابة النصوص الأدبية. فقد تفاوتت حساسية سؤال اللغة تجاه الاعمال المكتوبة باللغات الأوربية واستحدامها كأداة موِّحدة ومشتركة lingua Franca لثقافات شعوب القارة الأفريقية بين الكتابات الفرانكفونية التي بدت أكثر تشدداً في مقاومتها اللغوية وتلك المندرجة في اللغة الانكليزية، والنتيجة أن طبيعة كل من تجربة الخلفيات الاستعمارية وسياساتها في التعامل مع الشعوب المستعمرة. والحال أن الموقف الإبداعي ألقت عليه ظلال ايدولوجية حاولت الأجيال اللاحقة من الكتاب تجاوزه في مرحلة ما، خاصة في العصر الكوني حين تغيرت المفاهيم والتصورات التي شكلت في مرحلة ما حواجز قد تآكلت الآن، ولم تعد الهوية اللغوية – الثقافية عاملاً في دور الشعوب والحضارات، بل قد تكون معيقة إذا ما تجاوزتها التيارات العالمية السائد بوجهها الاندماجي كما تشير الدراسات الثقافية المعاصرة إلى أن الثقافة الكونية أصبحت في حركة دائبة Culture in motion.
إِنَّ الإنتاج السرْدي يماثل النتاجات المعرفية والانجازات العلمية وبالتالي يتكسب سمة الكونية ويتخذ من التداول بين الشعوب مظهراً عقلانياً قابلاً للتطبيق وفق التصورات الضرورية لأي ثقافة.ولما كان الاستعمار ثقافة مستزرعة في بأدوات غير ثقافية، يكون الاحتكاك حاداً لتقبل أنماط ومعايير يدفعها العنف المادي. وكوّن هذا الأستعمار في سياقه الثقافي أثراً بالقوة الغالبة لدى الشعوب المستعمرة غالباً ما كانت الثقافة ورموزها هدفاً للتدمير والإقصاء، هذا ما جدّد كون نظريات مدرسة التابع Subaltern لمرحلة ما بعد الاستعمار، وإن كان المنزع النظري لها تأصيل لثقافات أصيلة وبحثاً عن تأكيد على سمو هذه الثقافات خلافاً لما سمها به الاستعمار. ولم تكن اللغة بالنسبة إلى الرواية إلا أداة ووسيطاً لغوياً ينقل حياة مجتمع افريقي بكامل ممارساته الثقافية والدينية ترسم وتجسد بعداً انثروبولجياً مما شكَّل مواجهة بين هويات تتخالف أصولها الثقافية. فقد تمكن آتشيبي من نقل حياة قبيلة أفريقية تحيى ضمن نسقها الذي بدا بدائياً من وجهة النظر الغربية ( الاستعمار) بكامل حياتها الموروثة عن الاسلاف والآلهة لهذه القبيلة .وبهذه المحاولة الأولى لكتابة رواية أفريقية لكاتب أفريقي عن مجتمع افريقي التي أسست لاتجاه في كتابة الرواية الأفريقية مذاك، تعبيراً عن خطاب مقاومة لازم السرد الأفريقي وموجات تيارات الزنوجة ومقاومة الاستلاب الثقافي.
إنَّ موقع الرواية والأدب الأفريقيين المكتوبين باللغتين الإنكليزية الفرنسية بين عالمين بما يتجاوز موقف نقد ما بعد الاستعمار؛ ذلك الموقع الذي تشير دراسات تاريخ الأدب وضعها بين عالمين في كل من النطاق اللغوي ( الانكليزية والفرنسية) وجغرافي مؤسسي ( الدول الفرانكفونية ودول الكومنولث) وكل ما يتمثل داخل هذين النطاقين من أبعاد تاريخية وثقافية. ويشيئ هذا الموقع بالمواجهة الحضارية المفترضة؛ ترقى إلى الصدام الحضاري بمفهوم المفكر السياسي الأميركي صموئيل هتنغتون في صراع الحضارات القادم في نهايات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة الذي سيكون على أساس الثقافات كما تصوره في أطروحته حول صراع الحضارات التي قلَّل فيها من الدور الأفريقي في هذا الصراع باعتبار أن الهوية الأفريقية غير موجودة بشكل مستثنى؛ متقاسمة بين شمالها الذي ينتمى إلى الحضارة الإسلامية، وجنوب الصحراء الذي جلبت إليه الإمبريالية الغربية مكونات الحضارة الغربية. وبهذه التصور الاستعلائي، تكون الهوية الأفريقية في مفارقة للحقيقة، مشكلة من خارج أنساقها الثقافي وبالتالي تظل خاضعة إلى نظم الثقافات التي كونتها في مرحلة تأريخية انطوت على التسليم بتفوق الخطاب الكولونيالي.
ومع أن الرواية الأفريقية تظلُّ منتجاً إبداعياً ورؤية إلى العالم تتخذ من النصوص السردية حاملاً لهذه الرؤية، وتقع في حكم سائر السرديات الإنسانية التي كتبت بلغات مختلفة وتنتمى إلى مراحل تاريخية لحضارات متعددة. وبهذا تكون الرواية في تعريفها وفق الفهم المشترك العام غير قابلة للتجنيس. فالرواية الأفريقية قد سجنت في إطار أدوات الصراع بأبعاده التاريخية والسياسية، وقد تكون الرواية في معالجتها السردية ورصدها للأحداث وسبر لأغوار النفس البشرية الأكثر عتمة قد تصبح هي الأداة في معالجة الصراع بما يترجم على نصها السردي من وقائع العالم الفعلي حيث يدور الصراع عبر رؤيتها السردية. فأعمال كتاب مثل وول سونيكا (1934- ) والطيب صالح (1924-2005) قد ألهمت العالم بنصوص روائية ذات قيمة فنية عالية حازت على اعتراف عالمي. يقول الباحث الناقد أ. ر. داثورني: “الرواية في أفريقيا هي الشكل الفني الأدبي الوحيد الذي دخل عن طريق الاستعارة الخالصة، وفرض – فوق هذا- على تطور النموذج المحلي. فالدراما والشعر – من جهة أخرى – كانا جزءا لا يتجزأ من التراث الأفريقي. وكانا يؤديان وظفيتهما داخل التقاليد الشفهية، ويسهمان في المناسبات الشعائرية والاحتفالية. ولم تكن هذه الوظيفة متاحة للرواية في المجتمع غير المتعلم. فلم تكن ثمة حاجة تشبعها. وليس من المدهش إذن تلقى الرواية الاهتمام الشديد من الأدباء الجدد عند دخول التعليم. فالرواية بطبيعتها تؤسس أرضا ذات اتصال واستجابة شخصيين، وتفعل ذلك – إلى حد ما – بصورة ملموسة. وقد قامت في أفريقيا بتكملة الرؤية الفنية للعالم، بل أدمجت في هذه الرؤية – بمعنى أكبر وأهم جماليات التقاليد الشفهية التي لم تنتمي إليها على الإطلاق. ونتج عن المفهوم الأوربي لها – بعد أن طوره التفسير الأفريقي المحلي – ما يسمى اليوم باسم الرواية الأفريقية. وكان تطورها عن طريق الممارسة، ابتداء من التعبير المباشر المسطح الفج إلى التجربة المتقنة. وفي هذا ثمة تحليل كثيراً ما يركن إليه دارسي الأدب الأفريقي أو السردية الأفريقية بعدم فهم الثقافات المعبرة عنها أو إساءة تفسيرها على الأسس التي تركبت عليها مفاهيم الغرب.
وإذا انتهى القول إلى أن اللغة التي كتبت وتكتب بها الرواية الأفريقية نتيجة حتمية لتأريخ الهمينة الامبرالية، وحاولت رؤية صورتها عند الآخر وكيف فسَرت أنماطها الثقافية بمفهوم بنيوي ما على الرغم من أن موقف اللغة على تمثله من محتوى يقترب من مقاربته الانطولوجية بحثاً عن موقع وسط خضم تنازعات الإنسان الافريقي ومحنته الوجودية. ومع ذلك فإن الرواية الأفريقية تشكَّل فصلاً مهماً في تاريخ الرواية العالمية، ليست وقفاً على دواعي التصنيف الذي تأسس على تندرج تحت القواسم الانثولوجية للأدب؛ إذ إن الكتابة و اللغة من تحديات التاريخ الافريقي و الحضاري ومدى استدلال التأريخي الذي يشير إلى مدى معرفة القارة بهذه التقنية ( الكتابة) وذاكرتها الابداعية.
إذا كانت الرواية الأفريقية واجهة الخطاب السردي الأفريقي ومعلماً بارزاً في تشكلاته الفكرية والأبداعية، ووجودها يمثل إحدى صيغ الخطاب السردي الحديث في السرد الأفريقي، فإن أشكال التعبير الأخرى لم تكن غائبة عن شعوب القارة. فتاريخ الثقافة الأفريقية له امتدادت متجذرة في بنية ممارسات الطقوس الفنية والأشكال الجمالية تجلت في طقوسها الأسطورية والحكاية الشعبية وملاحم سير الأبطال، وبالتالي تضمنت رؤية سردية تضعها ضمن مفهوم الخطاب السردي. هذه المكونات الثقافية في نطاقها الجغرافي شكلت وجوداً للهوية الأفريقية، ويرى شاعر الزنوجة ليوبولد سنغور بأن الأنطولوجيا الأفريقية بالعودة إلى الماضي تبدأ من الشمال السوداني إلى جنوب البانتو، قدمت أفريقيا دائما وفي كل مكان مفهوم العالم الذي يعارض بكل ما في الكلمة من معنى يتعارض مع فلسفة أوربا التقليدية. وفي منهج تحليل النصوص تنبع مصداقية النص من دوره في الثقافة، فما ترفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائرة “النصوص”، وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصاً دالاً فهو كذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب ومترجم سودانيّ

إشارات مرجعية:
-Ferdenand Saussaure, General Lugnistic Course –Open Court Publishing Co.1986.
– Ruth Finnegan, Orla Literature in Africa,
– Ngugi wa Thiong’o, Decolonizing the Mind: the Politics Languages in African literature, London James Curry 1986.
-Samuel P. Huntington, Clash of Civilization, & Remaking of World Order, Simon & Schuster Paperbacks 1996.
– Léopold Sédar Senghor, African literature,

الرواية نت – خاصّ










شاهد أيضاً

(يدان لثلاث بنات) لعبد الرزاق بوكبّة.. أن تكتب السّيرة صاحبها عامر غزير *

إن رمزية العنوان وتفكيكها هي من قبيل الولوج إلى المعرفة المنتجة على ضفاف النص الذي …