ديسمبر 14, 2018
  • ديسمبر 14, 2018
  • Home
  • قراءات
  • الخيال كساحة لممارسة “ألعاب العمر المتقدم”
فبراير 5, 2018

الخيال كساحة لممارسة “ألعاب العمر المتقدم” ساري موسى

By 0 80 Views

يعيش غريغوريو أولياس حياة فارغة مملة، إنه موظف مكتبيّ في شركة نبيذ وزيتون منذ أربعة عشر عاما، أمامه هاتف لا يرنّ. يضجر هو نفسه من نفسه، يعاين واقعه البائس ويلتفت إلى الوراء ليتذكر أحلام شبابه الكبيرة، فقد كان يتمنى أن يصير شاعرا ومهندسا يعمّر الأمازون.

ليست هذه حاله وحده فجميع آل أولياس هكذا، يبدو الأمر كمرض عائلي متوارث بحشو رأس الصغار من قبل الكبار، فجميعهم يؤرقهم أنهم سيموتون من دون أن يكونوا قد خلفوا أثرا في حياتهم، بعد أن فشلوا في تحقيق آمالهم وعاشوا خيبتهم في تخيل تفاصيل أحلامهم بثرثرات لا تنتهي، متحسرين على الرجال العظماء الذين خسرتهم البشرية فيهم.

بهذه الثنائية بين الخيال والواقع، بين ما كان يمكن أن يكون وما هو كائن بالفعل، تسير في خطين، يجهد غريغوريو ألا يلتقيا، رواية الكاتب الإسباني لويس لانديرو (1948) “ألعاب العمر المتقدم”، الصادرة عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، بترجمة لصالح علماني.

كانت حياة غريغوريو تمضي في غيبوبتها الروتينية بين زوجته وحماته اللتين تطرزان وتصليان طيلة الوقت وعمله في تعبئة الطرود وختمها، إلى أن رن الهاتف الذي فوق مكتبه ذات يوم. مندوب مبيعات الشركة الجوال في الريف الذي اسمه “خيل” صار يفتح معه أحاديث بعد أن يوصيه على الطلبيات الاعتيادية. يتخيله خيل رجلا أرفع شأنا منه، مثقفا وقريبا من الأفكار الحديثة والحياة العصرية لمجرد أنه يعيش في المدينة، هو الذي يلقي باللوم على حياته الجوّالة الريفية بكونه شخصا تافها فقد تقديره لذاته بسبب عمله الوضيع، فخيل نسخة من غريغوريو، خائب مثله وبحلم مُجهَض، لقد كان يريد أن يصير كيميائيا ومفكرا. المحادثات الهاتفية نصف الأسبوعية بين الرجلين هي بمثابة مواجهة بين غريغوريو وفشله المتمثل في أحلامه غير المحققة، التي يعيد خيل بعثها من خلال أسئلته الملحّة.

في البدء، عندما يمتنع غريغوريو عن الإجابة على أسئلة خيل المقدرة لثقافته والمنبهرة به يتذمر خيل ويبكي كالأطفال، فيُسمعه غريغوريو ما يريد سماعه لإيقاف شكواه عبر استعادة أحلام شبابه كوقائع محققة، يدفعه ذلك إلى إحياء شخصية الشاعر أغسطو فاروني اللامعة والمحبوبة والبطلة الملاحقة من سلطة فرانكو الديكتاتورية، وهو الاسم الأدبي المستعار الذي اتخذه في مراهقته وكتب تحته أولى قصائده، لكن فاروني الجديد هو “شخص ثالث خلقته طموحات وبؤس كائنين حالمين”، كما يوضح غريغوريو. كانت هذه بداية سلسلة الكذبات المتصلة متعددة الحلقات التي ستأخذ بالالتفاف حول حياة غريغوريو المحدودة، كل كذبة جديدة تحرص على عدم نفي سابقاتها بل تنطلق منها إلى هروب جديد من الواقع، وكلما حوصر فاروني كذب عبر الهاتف على خيل مرة أخرى. ما شجع غريغوريو على المضي في اختلاقاته وتعزيزها أن الخيال الذي رسمه انطبق على الواقع في أكثر من مناسبة، خاصة في ما يتعلق بشخصية أغسطو فاروني، ما جعل غريغوريو يصدق كذباته لوهلة ويعود للعمل على أشعار مراهقته وينشرها في كتاب لا يخلو من اختلاقات جديدة حيث كتب بنفسه مقدمتين مادحتين لعمله إحداهما باسم كاتب أميركي صاعد عاش فترة في إسبانيا، ادعى أنه صديقه، اسمه إرنست همنغواي، وفي مرات أخرى يقوم هو بتأكيد خياله بأشياء واقعية يرسلها إلى خيل لإضفاء الصدق على ما يدعيه له، محوّلا سجل الفشل العائلي إلى تاريخ من النجاحات، مؤكدا ادعاءاته من خلال بعض الأغراض التي يرسلها له، مثل أن جده كان حقوقيا كبيرا وأباه أميرالا بحريا وليسا مزارعَين بسيطين حالمين في ريفهما البعيد، وأن عمه فيليكس كان كاردينالا في روما لا مجرد صاحب كشك على رصيف.

كان كل شيء مُسيطراً عليه من قبل غريغوريو الذي يتلاعب بخيل عن بُعد، حتى اللحظة التي يخبره فيها الأخير بأنه سيأتي إلى المدينة ويريد أن يحظى بشرف مقابلته. إنها لحظة حاسمة تهدد باصطدام حياتي غريغوريو الواقعية والمتخيلة ببعضهما، وانهيارهما فوق رأسه. هنا يقرر غريغوريو الهرب من بيته ثم من المدينة كلها، والاستمرار بالهرب من واقعه بجرعات جديدة عالية من الكذبات التي يطلقها هذه المرة في وجه خيل مباشرة عندما التقاه أخيرا، بعد أن أرسل الشاعر أغسطو فاروني في اتجاه، وبقي هو داخل اسمه لكن ضمن شخصية أخرى.

شخصيات لانديرو تتشابه في كونها ضحايا أحلامها الأكبر من قدرتها على تحقيقها، وأنها وحيدة، موزّعة بين حاضرها القاتم وماضيها الباهر، مترددة في قراراتها، تعوّض عن فشلها وخيبتها بثرثراتها الطويلة الموجودة في مواضع كثيرة ضمن الرواية، وبشكل خاص في المحادثات الهاتفية المطوّلة بين غريغوريو وخيل، وإن كانت لا تخلو من الطرافة في بعض الأماكن ومن عِبر واستنتاجات واقعية مرت بتبسيط وعدم تصديق لأهميتها من قبل قائليها المتشككين في ثقافتهم وقيمة ما يقولونه، ولهذه الثرثرة تبريرها في الرواية، وقد جاء هذا التبرير على لسان دون إساياس، الساحر العجوز، جار غريغوريو وزبون عمه من أيام الكشك، الذي يقول: “نحن المسنون نتكلم كي نسمع أنفسنا، وحين نسمع أنفسنا نعرف أننا ما زلنا أحياء. فمن يتكلم أكثر يبدو أقل موتا”. ما ينطبق على شخصيات لانديرو المتهربة من موتها، ينطبق كذلك على أحلامها الميتة، إذ إنها تحاول إعادة إحيائها بالحكي عنها.

عن موقع “ضفة ثالثة” – العربي الجديد