سبتمبر 23, 2019
  • سبتمبر 23, 2019
  • Home
  • قراءات
  • الحقيقة متاهة صامتة.. بُرهان شاوي في “المتاهات”
سبتمبر 10, 2019

الحقيقة متاهة صامتة.. بُرهان شاوي في “المتاهات” مسار غازي

By 0 95 Views

ربما من نافل القول التأكيد بأن الرواية هي خطاب اجتماعي ونفسي وتاريخي لأي شعب أو مجتمع في لحظته التاريخية المعنية، وهذا لا يعني بأنها الوحيدة في ذلك، وإنما هي الأقدر من بين الأشكال الفنية والأدبية على التقاط تفاصيل الحياة اليومية واحتضان الأنغام المتنافرة لإيقاع عصرها المتغير، لذا صار الرواية نصا قادراً على توثيق لحظتها التاريخية، بكل ما فيها من تفكك واضطراب واهتزاز للثوابت والايديولوجيات والبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي بذلك تقوم بتشكيل ليس الوعي وحده وأنما الوعي المضاد لكل الثوابت، هذا الوعي الذي يستعيد العالم بوساطته الأسئلة للذات الفردية والجمعية مؤكدة على إدراك الوجود ووعي الحياة. وهذه النظرة للرواية يمكن سحبها وتطبيقها على النتاج الروائي العالمي كله. بما في ذلك الروائية العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص.

وهنا، في وقفتنا هذه، نجد أن الشاعر والروائي والباحث العراقي بُرهان شاوي في روايته المسلسلة “المتاهات” يجسّد الفهم الشامل لمفهوم الرواية باعتبارها خطابا تاريخيا ونفسيا ومعرفيا، ولا أغالي إذا ما قلت بأن ” المتاهات” تشكل انعطافة جديدة في معالم الرواية العراقية الحديثة، فقد جاءت مكتظة بأسئلة الوجود والحياة والمعنى الكامن فيها، وإعادة قراءة المراحل التاريخية التي مرت بها العراق، والمنطقة، بل هي تعيد قراءة المقدس  الديني بدءا من أسطورة خلق آدم وتجلياتها في الأديان مرورًا بإشكالية الخطيئة والخير والشر، وتجليات الرغبة في انفلاتها وفي كبتها بحيث تتفجر إلى أفعال عنف وتدمير وأذى نفسي وجسدي، مرورًا بكل التاريخ الروحي للإنسان.

يحاول الروائي بثرهان شاوي في روايته المسلسلة “المتاهات” إعادة تشكيل وقائع الحياة القاسية والفجة بشكل جمالي ، وإقتناص لحظات الإختلاف بين الحياة الواقعية وبين إعادة تشكيل روايتها أدبيًا . وقد اعتمد الكاتب في متاهاته التسع (متاهة آدم / متاهة حواء/ متاهة قابيل/ متاهة الأشباح/ متاهة إبليس / متاهة الأرواح المنسية / متاهة العدم العظيم)، كما نوه الباحثون فيها، على تقنية دمية الماتروشكا الروسية وكذلك الصندوق الصيني، حيث تتداخل الروايات ليس على طريقة ألف ليلة وليلة ، حيث تروي شهرزاد رواياتها المتداخلة والمختلفة وإنما تتداخل الروايات هنا لتعيد نفسها في زمان ومكان مختلف ، وبأسماء شخصيات جديدة ، لكنها تعيد دورة الأشياء البشرية وجوهر الأحداث نفسها.

لا تهاب “متاهات” بُرهان شاوي من اقتحام وتفكيك الثالوث المحرم:  الجنس/ الدين/ والعنف السياسي أو السلطة، من منطلقات تاريخية ومن خلال مناهج التحليل النفسي الفرويدي وما بعد الفرويدي، متكئة على رصيد معرفي هائل،  متناصة مع روائع الدب العالمي، وتاريخه الموسيقي والتشكيلي، والمثيولوجي، بسرد لا يخفي تماهيه مع جماليات السرد السينمائي، متجاوزة عراق السبعينات والثمانينات والتسعينات وفترة ما بعد الاحتلال 2003، لتكشف عن تاريخ العنف المنفلت والأعمى، متخذة مع حياة الناس الأفراد بُنية حكايتها الطويلة، متوغلة في أعماق النفس البشرية، كاشفة عن تجليات الرغبة العارية والجامحة، و هابطة إلى بئرها الغامض والمخيف والصادم لكل المنظومات الأخلاقية السائدة، لتكشف في هذه الروايات التسع عن قدر الإنسان المأساوي كفرد وعن تفاهة الوضع البشري كتاريخ.

ومن الناحية الجمالية والمعرفية فهي روايات تحتفي بالشك وتحنو على الإيمان العميق الذي لا بد أن يقود إلى شك جديد.

“المتاهات” سلسلة روائية تكشف عن عمق سوء الفهم بين البشر الذي يقود إلى الفاجعة في أغلب الأحيان، وهي لا تهاب الكشف عن الغرائز الجامحة ، وعن الحب المحاصر بالنوايا المريبة، ومن هنا فهي تنطوي على  كشوفات نفسية جريئة لأعماق الإنسان ورغباته الدفينة ومواجهة صريحة معها، حيث يتداخل المرئي واللامرئي، الواقعي والسحري، الجنسي والسياسي.

ربما من الناحية الأدبية يمكن التوقف عند هذه الرواية الملحمية التي تحمل سمات التجديد في السرد الروائي بأنها تضم 304 شخصية روائية، بينها 119 حواء  و 185 آدم، حيث تحمل كل الشخصيات النسوية اسم “حواء” أو “إيفا” إذا ما كانت أوربية أو مسيحية، و185تحمل كل الشخصيات الذكورية اسم “آدم”: ونادرًا اسم ” قابيل” أو “هابيل” وهذه تجربة جديدة في السرد الروائي.

” المتاهات” روايات عن الإنسان في متاهة النفس ومتاهة الوجود، روايات فلسفية، نفسية، تاريخية، تحتفي بالشك واللايقين لتأكيد متاهة الإنسان في هذا الوجود، ويمكن التوقف عند “حواء الكرخي” في ” متاهة إبليس” حين تبوح قائلة: “أنا حواء الكرخي ، أشك في كل شيء .طمأنينة اليقين تخيفني ، بينما قلق الشك يمنحني الطمأنينة . الشك هو الذي يقودني إلى الحقيقة ، لكن الحقيقة متاهة ..متاهة تفضي إلى شك جديد .. نعم الحقيقة هي متاهة صامتة “..