الرئيسية / آراء ومدونات / الجحيم السوري روائياً جمال شحيّد

الجحيم السوري روائياً جمال شحيّد

تركت الثورات الكبرى في التاريخ بصماتها على الآداب والفنون. فرواية “الحرب والسلم” (1869) لليون تولستوي رسمت وقائع الغزوة البونابرتية لروسيا والمقاومة الضارية التي أبداها الروس الذين كادوا أن يقضوا على جيشه الجرار؛ ورواية “ذهب مع الريح” (1936) لمارغريت ميتشيل التي روت قصة الحرب الأهلية الأميركية؛ ورواية “الهزيمة” (1892) لإميل زولا التي تتبعت أحداث الحرب الألمانية الفرنسية عام 1870 واندلاع كومونة باريس، ورواية “نجمة” (1956) لكاتب ياسين تكلمت عن بدايات حرب الجزائر. وأرخت للحرب الأهلية اللبنانية مجموعةٌ من الكتّاب والكاتبات من أمثال عباس بيضون وحسن داوود وهدى بركات والياس خوري ورشيد الضعيف…
حظيت الثورة السورية هي أيضاً بأدبيات زاخرة شملت كافة الأنواع الأدبية من شعر وقصة ومسرح ورواية. ولكنني في الوقت القصير المخصص لي هنا لن أستطيع أن أفيها كلها حقها، مع تقديري لقيمتها وأهميتها ولأدب الشباب. وبما أن الرواية أصبحت ديوان العرب في العصر الحديث، فإنني سأعيرها القسط الأكبر من دراستي. وأسوق هنا بعض العناوين، دون ادعاء استيفائها.
“طبول الحب” لمها حسن، “الذين مسهم السحر” لروزا ياسين حسن، “إياب في بابا عمرو” و”عائد إلى حلب” لعبد الله مسكور، “بانسيون مريم” لنبيل ملحم، “لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة” و”الموت عمل شاق” لخالد خليفة، “جداريات سوريّة: نمنوما” و”ليل العالم” لنبيل سليمان، “السوريون الأعداء” لفواز حداد، “جنة البرابرة” لخليل صويلح، “أبواب العدم” لسمر يزبك، “نفق الذل” لسميرة مسالمة، “أمل في سوريا” لدينا نسريني و”الذئاب لا تنسى” للينا هويان الحسن، وغيرها مما يصدر بخاصة في بلدان المهاجر السورية. وسأتوقف عند بعضها لأعطي فكرة، ولو موجزة، عن رؤى الروائيين والروائيات لما حدث ويحدث في سورية.
في رواية “السوريون الأعداء” مثلاً يتابع فواز حداد رحلة العذاب السورية التي بدأت منذ نصف قرن تقريباً. ثمة عائلة حموية تباد في أول الثمانينيات من القرن الماضي، وينجو منها طفل رضيع تهرّبه إحدى العجائز إلى دمشق وتوصله إلى بيت عمه “القاضي العادل في بلد ظالم”، كما يقول النص. العم هو الراوي الذي يتابع وقائع ما حدث مع الإخوان المسلمين في حماة خصوصاً وفي سجن تدمر الرهيب الذي شهد إبادات جماعية مروّعة: “كانت الحياة لعنة والموت نعمة”. وتركّز الرواية على مراحل حياة الطالب سليمان الذي وشى بخاله (ربما هو صلاح جديد) لرفض الخال تزويجه ابنته. ويسجَّل بالالتماس في كلية الهندسة “على أنه ابن شهيد، مع أن أباه على قيد الحياة”، ولكن رئيس الجمهورية ينصحه بالانتساب إلى الكلية العسكرية، فيصبح ضابط أمن يتقن لعبة الاستدراج والوشاية. وما حصل لسليمان ينسرح على آلاف الشبان من الطائفة العلوية؛ وهذا ما يستنكره بعض شيوخها: “لقد سلبهم [الرئيس] أبناءهم، زيّن لهم العمل في الجيش والمخابرات، واستخدمهم أجراء زعران يعيثون فساداً في دمشق وحلب، إن ما يلحقونه من أذى بالناس يلصق بالطائفة، ما أساء لسمعتها، وهي منه براء.. ليت الرئيس عالج الفتنة بلا شعارات طائفية، واقتص فقط من الذين افتعلوها”. وفي المقابل هناك شيوخ يظنون أن الرئيس مرسل من المرسلين: “إن الشعب العلوي كان موعوداً بقدومه منذ زمن طويل، علامات ظهوره كانت تلوح يبن الحين والآخر، لا يراها سوى عبادِه المصطفين بالبصيرة والعقل”. ولا يبقى إلا فارق طفيف بين الرئاسة والألوهة: “هذا الشعب اعتاد الإلهامات السماوية والرسل والأنبياء، ينظر إلى الرئاسة على أنها موطن الآلهة”. مما حدا ببعض الشبان إلى الهتاف “قائدنا من القرداحة… بيعطي على الله لاحة”. وهذا التوجه الربوبي لأعلى هرم السلطة هو ما روّج له الضابط سليمان الذي أصبح مهندس القصر الرئاسي، فيقول عن الرئيس: هذا الرجل لديه ملامح من الله… هو شخص يتخطى البشر بعظمته، مقدس معصوم من الخطأ، ما يرفعه إلى مقام الرسل والأنبياء وأكثر، إلى ما يشبه الله، رديف للرب… هو معبود، لن ينقصه العباد”. وبعد رفعه إلى مصاف الأنبياء والرسل، راحت صوره وتماثيله تغطي فضاء سورية، وتردد اسمه على المسامع “منذ الصباح حتى المساء، في نشرات الأخبار والأناشيد والأغاني الوطنية، تذكرة للناس بأنه الخالق لسوريا الحديثة”.
النقطة الرئيسية التي ركزت عليها رواية “السوريون الأعداء” هي تحليل الذهنية المخابراتية وتشريح جهازها وطرق عملها، بحيث صارت دولة موازية للدولة. يقول الكاتب: “سيطرت على الدين وتفسيره فأصبح للدولة مشايخها، يحثّون الناس في خطبهم أيام الجمعة على طاعة أولي الأمر. حتى صار هناك دين معزز بالآيات والفتاوى، هو دين الخضوع”. وغطت الأربع مئة صفحة الأولى من الرواية هذه الأحداث التي نقلتنا من فتنة الإخوان في أول الثمانينيات حتى وفاة الرئيس. أما المئة صفحة الأخيرة منها فتنقلنا إلى الخمس سنوات الأخيرة من تاريخ سورية واستفحال الدور الأمني في قمع الاحتجاجات، بدءاً من مظاهرة سوق الحريقة وبروز الشعار الأول للثورة “الشعب السوري ما بينذل”. انطلقت الاحتجاجات من درعا وانطلق الحل الأمني “كي يعيد للنظام هيبته” ولا بأس من اختلاق الفتنة الطائفية، كما يقول النص. ويسهم المهندس سليمان في الضرب بيد من حديد على بؤر الفتنة التي اتهمت فوراً بالتآمر على الوطن. وتنتهي الرواية بنيّة المهندس قتلَ الرئيس إن تخلى عن الحل العسكري. فيطّلع القصر على مقصده الافتراضي ويجبره على الانتحار، “وضغط على الزناد، لئلا يندم”.
تتابع هذه الرواية الأحداث متابعة دقيقة، مركّزة على بعض الشخصيات المعارضة والموالية، ولكن الشخصية المخابراتية تبقى الشخصية التي هيمنت على النص. واستطاع فواز حداد أن يحلل عقلية الفروع الأمنية بكثير من الحذق، فروى مأساة رجل هندس النظامَ وألّه الرئيس. وصعد وصعد ثم انتحر حباً بالنظام لا حقداً عليه. وهذه هي المأساة العبثية للضابط سليمان أو غازي كنعان.
يستهل نبيل سليمان روايته “جداريات الشام نمنوما” بعبارة لبول فاليري تقول: “الثورة تنجز في يومين عمل مئة سنة، وتخسر في سنة إنجاز خمسة قرون”. وفي 530 صفحة يسعى إلى رسم هذه الجدارية التي امتدت على طول سورية وعرضها.
ثمة امرأة اسمها نمنوما “مفعمة بالجحيم ومفعمة بالجنة معاً”، وتجاوزت الأربعين وتعمل قاضية، وتزوجت من زميل لها في كلية الحقوق “واصل ابيضاني” من بانياس، أصبح عقيداً في الشرطة والمخابرات. ورزقا ببنت اسمها ليليا (سنة ثانية أدب فرنسي)، وهي ناشطة فيسبوكية من الطراز الرفيع. والأم وبنتها مؤيدتان للثورة، على عكس الأب المنغمس في السلطة. وهذا واقع معظم العائلات السورية. وفي الرواية نماذج متباينة من المجتمع السوري، ركّز فيها الكاتب على الحربائيين والزئبقيين والمهربين والشبيحة وأصحاب السرقات والرشاوى والخوّات والابتزازات. ويتوقف عند بعضها: استملاكات داريا، قصة طلّ الملوحي، بلطجية الساحل، صدامات القامشلي، مظاهرة الحريقة، وصولاً إلى 15/3/2011.
وربط الكاتب الثورة السورية بالثورات العربية الأخرى: “هرمنا” التونسية التي دفعت بزين العابدين بن علي إلى القول: أي نعم فهمتكم. وربطها بمعركة الجمل في القاهرة وسقوط حسني مبارك، وبمعمّر القذافي الذي توعّد “يا جرذان والله سأصفيكم واحداً واحداً”، فيضيف الكاتب “جراثيم سوريا تحيّي جرذان ليبيا”. وبهذه المناسبة، رواية نمنوما حافلة بعشرات الشعارات التي ظهرت خلال السنتين الأوليين من عمر الثورة. هذا بالإضافة إلى عناوين الأغاني والأهازيج: “يا حيف” و”سيـﭭـان” لسميح شقير، وردّيات إبراهيم القاشوش. ويوظف الكاتب أغاني معروفة ويجيّرها لمصلحة الثورة: “أنا بانتظارك ملّيت”. لأم كلثوم، “أنا بستناك أنا” لنجاة الصغيرة، “أي حال بدّك يمشي” لزياد الرحباني.. ويتواشج مستويا اللغة: الفصحى السائدة المطعّمة بنكهة العامية: “رأسمالية الحبايب والقرايب” (البدوية)، “لولا الدكتاتورية ما كنا وصلنا إلى هنا يا عفلق زمانك”، “والشباب، ما شاء الله، همتهم بتغلق الصخر”…
وفي رواية “ليل العالم” [التي صدرت منذ شهرين]، يتوقف نبيل سليمان عند الرقة تحديداً ليستقرئ نكبتها بعد إعلان الخلافة فيها على يد الشيخ المجاهد أبي بكر البغدادي. تتألف الرواية من أربعة أزمنة أو فصول تشبه فصول السنة: زمن الخنق، زمن العشق، زمن التِيه، زمن الربيع الأبيض الأسود، وفيها يرسم الكاتب جدارية الرقة التي عرفها عن كثب. ويبدأ زمن الخنق بتنصيب البغدادي خليفة للمسلمين وبخنق الكافرة هفاف العايد في 24 آذار/ مارس 2014 على يد ملثمي الدولة. ويحط التشدد الديني بثقله على المدينة البائسة: فيختفي منها المسيحيون (أهل الذمة) وتستباح أملاكهم وتمنع المعازف والأغاني وتخرّب مقاهي الإنترنت ويلغى السفور إلغاءً كاملاً وتعتبر المرأة عورة، وتحطم التماثيل وبينها تمثال هارون الرشيد لأن التماثيل أصنام، ويمنع التصوير [ما عدا التصوير التلفزيوني الداعشي طبعاً]… ويقول الكاتب إن الناس انتقلوا من زمن المخابرات إلى زمن الحسبة (110)، وإن استمارات الأمن السياسي والعسكري تشبه استمارات داعش التي أضافت “حقولاً للحج والعمرة والعشيرة والمذهب” (132).
وفي فصل زمن العشق، يعيدنا الكاتب إلى سنوات 1970، 1980، 1990، وفيها عُيّن منيب خلف الحسن مدرساً للغة العربية في مدرسة للبنات. فيعجب بإحدى طالباته وهي هفاف العايد التي تمثل بالنسبة له بدر التمام ونهر الفرات والرقة وربما سورية برمتها. ويستفيد الكاتب من هذا الفصل ليصور لنا العلاقات الاجتماعية في الرقة، ولا سيما العلاقات بين الجنسين في بيئة بدوية محافظة ولها مداخلها.
وفي زمن التيه تسافر هفاف إلى حلب لمتابعة دراستها الجامعية ثم تباشر بالعمل في دبي، وذهب منيب إعارة تدريس إلى الجزائر. وتبدأ المراسلات تنداح بينهما. ولكن “يجب أن يعثر أحدنا على الآخر” (294)، إن شاء القدر.
وفي فصل الربيع الأبيض الأسود، يذهب منيب وهفاف – بعد عودتهما من المهَاجر ليزورا الأب باولو دالوليو في دير مار موسى الحبشي قرب النبك، فقال لهما: “نشرب بصحة الشباب السوري الثائر” (325)، وأضاف: “في الشهر الماضي، شهر رمضان، دعوت زوار الدير المسيحي منهم والمسلم، إلى الصيام من أجل السلام في سوريا […] الشباب السوري فاجأني بنضجه الإنساني، وبنضجه السياسي. من هؤلاء الشباب تعلمت عن كرامة الإنسان ما لم أتعلمه في حياتي” (320). وبعد هذه الزيارة الاستشفائية إلى الدير، يعودان إلى الرقة؛ فتعمل هفاف مع النازحين الكثر الذين وفدوا من المناطق الساخنة، ويشارك كلاهما في المظاهرات السلمية: “صلينا العشاء في جامع المنصوري، وبين المصلي والمصلي كان واحد من المخابرات” (344). وفي الرقة بدأت تظهر الرايات السود ويعلو هتاف: “قائدنا للأبد سيدنا محمد” (374). ويسخر الكاتب من هتافات الدولة أثناء تأدية الخدمة العسكرية: “أمّة /أح اتنين/ واحدة/ أح اتنين/ ذات/ أح اتنين، الخ” (383).

العرس الذي لا ينتهي
شيئا فشيئاً راحت داعش تنوء بكلكلها على الرقة؛ وبدأت حفلات العقاب بحق مخالفي شرع الله: جلد، إعدام بالرصاص، قطع يد أو رقبة؛ أما الاعتقالات فحدّثْ عنها ولا حرج. ويختفي علم أبو نجمتين أو ثلاث، وترتفع غابات الرايات السوداء، ويهرب الناس. ويختم نبيل سليمان روايته بمثول منيب أمام ديوان الحسبة، فيهان ويُصفع ثم يفرج عنه. فيسوق سيارته على غير هدى فيجد نفسه أمام الحفرة التي كانت داعش تلقي فيها الجثث وتحرقها. ويلتقي هنا بموسى أخي هفاف الفارّ من وجه داعش. وفجأة يظهر الدواعش فيقبضون عليهما ويضعونهما في قفص حديدي يلقيانه في الفرات. وتنتهي الرواية بمشهد أخروي يذكّر بجحيم دانتي: “في قاع الهوتة [الهاوية] ظهرت أيدٍ تتسابق كي تتلقف جثتي موسى ومنيب. وكانت هفاف وسنية تتقدمان نحوهما، يتبعهما كثيرون وكثيرات، بينما صوت مثل صوت الفرات يأتي مرة، ومثل صوت سماوي يأتي مرة، وفي كل مرة يقلن: هذا هو العرس الذي لا ينتهي، في ليلة لا تنتهي، في…” (461). وتنتهي الرواية بحرف الجر هذا المفتوح على جرح سورية ونكبتها. رقة، رقة، رقة، بالقلب نار وحرقة.

عن صحيفة العربي الجديد

شاهد أيضاً

الوجبة الدسمة في الكتابة هيثم حسين

يتم تشبيه الكتب بالزوّادة التي يحملها المسافر معه في رحلته، تمنحه شعورا بالأمان والراحة، وتؤنسه …

2 تعليقان

  1. I am not sure where you are getting your information, but good topic. I needs to spend some time learning more or understanding more. Thanks for excellent information I was looking for this info for my mission.

  2. I don’t feel up to cleaning the house.