أغسطس 18, 2019
  • أغسطس 18, 2019
مايو 29, 2019

التشابك بين الرواية والصحافة كه يلان محمد

By 0 226 Views

الخبر برأي الكاتب والصحافي المصري الكبير محمد حسنين هيكل وحدة أساسية في عملية التحليل السياسي، لأنَّ ما تسمعهُ في قالب خبري هو ما يؤسس لتحولات نوعية في حياة الشعوب. لكن يبدو من خلال متابعة كواليس الأعمال الروائية أن أصحابها استفادوا من المادة الخبرية أيضاً في طبخة مؤلفاتهم، ومن الواضح أنَّ عدداً من الروائيين قد عمِلوا في مجال الصحافة وتراكمت لديهم الخبرةُ بدقائق هذه الصنعة، ولعلَّ أرنست همنغواي وغابرييل غارسيا ماركيز في طليعة الروائيين الذين كانت درايتهم بالعمل الصحافي رافداً لمشروعهم الروائي فإن المقالات والتقارير والحوارات التي اشتغل عليها غابو حيث ضمها كتاب صدر بنسخته العربية بعنوان بـ “بلاقيود” أبانت عن تمكن صاحب “خريف البطريرك” بمهنة المتاعب، كذلك بالنسبة لمؤلف “الشيخ والبحر” فإنَّ رشاقة أسلوبه وانسيابية سرده وترتيب المادة الروائية والقصصية كل ذلك مطبوع بخلفيته الصحافية، وما اكتسبه في هذا المضمار إذ قام أرنست همنغواي بتغطية وقائع الحرب الأهلية في إسبانيا كما كان حاضراً في الجبهة إبان الحرب العالمية الأُولى، أكثر من ذلك فإن ما أضافه همنغواي على صعيد تركيبة الجمل الروائية عرف بالأسلوب التلغرافي. وأصبحت نتاجاته الروائية والقصصية مرجعاً لمن يهمهُ فن سبك العبارات غير المثقلة بالحشو والفخامة المصطنعة.

المشترك

ومن نافلة القول الإشارة إلى أنَّ ما يجمع بين الرواية والخبر الصحافي هو عنصر السرد. زيادة على ذلك فإنَّ المواد الخبرية تحتاج إلى عنصر التشويق والحبكة في الصياغة حتى ولو كانت مبسطةً.

والمقصود بما قُدمَّ آنفاً ليس إثبات فكرة مسبقة بأنَّ من إختار كتابة الرواية لا بُدَّ أن يمرَّ بتجربة الصحافة بقدر ما أن المراد هو التأكيد على وجود تواصل فن الرواية مع مجالات أخرى خارج الأجناس الأدبية.

كثيراً ما ترى روايات مدموغة بعناوين ذات نكهة صحافية مثل “خبر الإختطاف” لماركيز أو “يومَ قُتل الزعيم” لنجيب محفوظ. يذكرُ إلى أن الأخير قد نشر قصصا بوليسية في صحيفة الخبر المصرية. و”مقتل بائع الكُتب” لسعد محمد رحيم على سبيل المثال لا الحصر.

وما يجدرُ بالذكر أنَّ مُصطلح “حكاية” لم يدل على السرد إلا لاحقاً بل كان مُرادفاً للخبر حسبما وردت الإشارة إلى ذلك في “معجم السرديات”. عطفاً على ما سبق فإنَّ الصحافة قد تحولت إلى ثيمة أساسية في بعض الروايات كما آثر إمبرتو إيكو هذا المنحى في آخر ماصدر له “العدد الصفر”.

المرجعية الخبرية

إلى هنا فإنَّ محورَ الحديث كان عن علاقة الرواية والصحافة على المستوى الشكلي، فماذا بشأنَّ مؤثرات المحتويات الخبرية على مضامين العمل الروائي. هل تُفيد المَعلومات الواردة على صفحات الأخبار أو ما يتداولُ على منصات التواصل الإجتماعي وشاشات التلفزة الكاتب الروائي؟

هل تصبحُ الصحافةُ مصدراً يستمدُ منه الروائي موضوعاته أو يلهم الخبر المنشور الكاتب بمادة روائية.

بما أن الرواية محاكاة للحياة وأن الخبر رصد لما يحدثُ في الواقع لذلك فمن الطبيعي التشابكُ بين المادة الخبرية والثيمات الروائية. إذ أن ما أدلى به الروائيون حول تجربتهم في الكتابة السردية. يظهر أنَّ الخبر هو ركيزة أساسية في بعض أعمالهم ناهيك عن تبني نفر من الكتاب لخط التقرير الصحفي في تحبيك منجزه الروائي وهذا ما يتمثلُ بالوضوح في رواية “دورا بروديه” للروائي الفرنسي باتريك موديانو يردُ في مفتتحِ العمل الخبرُ المنشور في صحيفة “باريس سوار” بتاريخ نهاية ديسمبر 1941عن شابةٍ مفقودة تُدعى دورا بروديه مع إيراد تفاصيل عن ملامحها وبنيتها الجسمانية. ومن ثُمَّ يتكفلُ الراوي بالتقصي عن تفاصيل هذه الشخصية مُعتمداً على الأسلوب التوثيقي والنبش في السجلات إلى أنْ يكتشف بأنَّ دورا بروديه من اليهود المهاجرين إلى فرنسا حيث ولدت بمستشفى روتشيلد.

ومن الملاحظ أنَّ المؤلف يتدخلُ مباشرة في بعض المقاطع ويتناولُ موديانو ما يجبُ أن يتمتعَ به الروائي من القدرة على تسلسل الأفكار وترويض الذاكرة ما يمكنهُ من حدس إستنباط الأحداث الماضية والمُستقبلية. مشيراً إلى أنَّ الخبر الذي تنطلقُ من الرواية قرأه سنة 1988 وتأخر في الشروع بكتابة العمل بإيحائه لمدة ثماني سنوات. فضلاً عن القصة الأساسية تتضمنُ رواية دورا بروديه أحداثاً متواقتة لهزيمة النازية في فرنسا كمقتل الروائي الألماني فريد لامب مؤلف “على مشارف الليل” ناهيك عن إختفاء الأشخاص الكثيرين في السنة التي ولد فيها موديانو أيضا.

كما يلمح صاحب “شارع الحوانيت المُعَتمة” إلى هروبه بعد 15عاماً على إستعادة فرنسا لحريتها في تضاعيف مُؤَلفه.

بالاختصار ما ينبغى قوله عن هذا العمل هو هيمنة تقنية الكتابة الخبرية والتقريرية على خيطه السردي. أضف إلى كل ما سلف ذكره أنَّ ما حدا بالروائي المؤسس غوستاف فلوبير لكتابة رائعته “مدام بوفاري” هو الخبر المنشور عن إنتحار السيدة ديلمار في سنة 1848 بعدما انفض عنها العشاق والمعجبون وحاصرتها المشاكلُ. وكان جوهر المشكلة في تحويل هذا الخبر إلى العمل الروائي بالنسبة لفلوبير هو معارضة إمه وخوفها على مقاضاة ابنها كما يشيرُ إلى ذلك الكاتب العراقي علي حسين في “في صحبة الكُتب”. أخيراً يجدُ فلوبير الحل في إستبدال إسم ديلمار بمدام بوفاري.

بدوره رأي نجيب محفوظ في قصة اللص الذي أشاع الخوف بين سكان القاهرة وإنشغلت به الصحف مادةً مُفعمة بالدراما فبالتالي وظفها لكتابة رواية “اللص والكلاب” التي تُعدُ بداية لمرحلة جديدة في مسيرة صاحبها. والأمر لا يختلف لدى الكاتبة الفرنسية من أصول مغربية ليلى سليماني، فقد استلهمت فكرة روايتها المعنونة بـ “أغنية هادئة” التي حازت على جائزة الغونكور الفرنسية مما قرأته في مجلة (Paris Match) حول جريمة رهيبة وقعت في مانهاتن بنيويورك إذ أقدمت مربية على قتل طفلين. ومن المعلوم أن رواية سليماني تتكيءُ على قصةٍ مماثلة لما ورد في السياق الخبري. فإن الشخصية الرئيسة لويز تفجرُ الحدث بقتل ميلا وآدم. وذلك كان أمراً صادماً لأنَّ ما لمسه والدا الطفلين في شخصية المربية ظاهريا هو الحب والحنان.

والأهم في هذا الإطار أن الدارسين في مجال الأدب توصلوا نتيجة بحثهم وتعقيبهم أنَّ رواية “لوليتا” المثيرة لكاتبها نابوكوف ليست وليدة الخيال إنَّما المؤلفُ كان يتابعُ أخبار الجرائم والإعتداء الجنسي بالإهتمام في الصُحفِ إلى أنْ صادف حادثة الفتاة سالي هورنر التي إعتقلها رجلُ أربعيني متلبسةً بسرقة دفترٍ، وأوهمها بأنَّه من مكتب التحقيقات الفدرالية ليجبرها على البقاء معه لعامين كاملين عشيقةً، ويعترفُ نابوكوف بأنَّ لوليتا ماهي إلا الإعترافات التي كتبها هامبرت في سجنه.

واستوحت الروائية الفرنسية لورانس تارديو موضوع روايتها “في النهاية الصمت” مما ساد في باريس من أجواء مشحونة بالخوف والتوتر بعد الهجوم على مقر إحدى الصحف الباريسية وتتخذُ تركيبة عملها شكلاً تقريرياً وخبرياً.

الحس الصحافي

ومن جانبها تكشفُ الروائية المصرية رشا عدلي بأنَّ خبر قتل القناص الأميركي كريس كايل في 2013 قادها لقراءة سيرة الجندي الأميركي واستوحت أحداث روايتها الموسومة بـ “شواطيء الرحيل” مما تجمعها عن حياة كريس.
كما أنَّ سقوط مدينة الموصل في 2014 بيد عناصر تنظيم داعش يدفع الكاتب العراقي خضير فليح زيدي لكتابة روايته “فاليوم عشرة”، ولا تكتفي الروائية السورية مها حسن بتضفير الخبر في متن رواية “عمتِ صباحا أيتها الحرب” بل تحيل القاريء إلى روابط الفيديوهات والمواقع الخبرية، ما يعني تفاعل نصها الروائي مع الحدث الراهن. قصاري القول فيما يتعلق بعلاقة الرواية بالخبر أنَّ الروائي يجبُ أن يكون لديه حس صحافي وينتبه إلى ما يضخُ في المنابر ويعرضُ في الجرائد والصحف.

عن موقع ميدل إيست أونلاين