(التائهون) لأمين معلوف.. الأوطان المهاجرة لن تعود

(التائهون) لأمين معلوف.. الأوطان المهاجرة لن تعود
  • ألو .. آدم؟ أنا تانيا … نعم تانيا زوجة مراد … صديقك يُحتضَر ويريد رؤيتك …..

تانيا: هي التي تريد، تريد لَمّ الشمل، ولكن شملَ من؟ شملِ شلّة من الأصدقاء كانوا معاً في الجامعة قبل عشرين عاماً (آدم، مراد، ألبير، رامز، رمزي، بلال، نعيم، تانيا، وسمير أميس) جمعتهم صداقة ومحبة وأحلام كبرى واختاروا ذلك البيت القديم لجد آدم في الجبل عشاً للقاءاتهم وحواراتهم ولهوهم، لكنّ الحرب اللبنانية التي مزقت كلّ شيء مزقت شملهم ونثرتهم كبقية اللبنانيين على امتداد القارات الخمس. تلك الحرب التي لم يسلم منها بيت ولم تسلم ذكرى، لقد أفسدت كلّ شيء، الحب والإخلاص وصلات القربى والإيمان كما الوفاء وكذلك الموت، حتى الموت بدا لعينيّ آدم ملطخاً، ومشوّها فما كان منه إلا أن يلوذ بالفرار كي لا يلطخ يديه بتلك الحرب، كما فعل صديقهم مراد زوج تانيا والذي اختلف معه إلى حدّ الخصام، كان ذلك امتيازه الرعديد بأنه كان فارّاً شريفاً ….  هرب إلى فرنسا ليتابع دراسة التاريخ، ويراقب تحولَ العالم من اليسار إلى اليمين، ومن الإلحاد إلى التدين المتطرف، ومن السلام إلى الإرهاب بينما اختار مراد زوج تانيا أن يعمل مع أمراء الحرب الذين يقتلون الناس رمياً بالرصاص، لكنه هاهو يجد نفسه في الطائرة المتجهة إلى لبنان بعد عشرين عاما ملبياً دعوة تانيا وحالماً بلمّ شمل الشلة القديمة في بيت الجبل ….

من هنا يبدأ الكاتب العربي الفرانكفوني أمين معلوف روايته “التائهون” وهي آخر أعماله* حتى الآن.

وبينما كان يحلّق ببطل روايته آدمَ ليعود به عشرين عاما إلى الوراء في لبنان كان يطير بخيالي لأستشرف عشرين عاما إلى لأمام أطل منها على سوريا التي تشرّد الحرب اليوم فيها كلّ ما فيها بل وتحاول قتله بدءأ من أعماق تاريخها في ماري وتدمر إلى ما في أعماق أرحام الأمّهات والأمّات …

وأتابع معه رحلة آدم الذي وصل إلى مطار بيروت متأخراً وحزّ في قلبه أنه لم يجد أحداً في انتظاره؛ فلجأ إلى فندق ليكملَ ليلته والتي مات فيها مراد قبل رؤيته.

اعتذر لصديقته أنه لا يستطيع حضور العزاء، ومقابلة أثرياء الحرب من أصدقاء المرحوم فهو لا يستطيع أن يضع يده في الأيدي الملطخة بالحرب والمتاجرة بدمائها، ولكن تانيا ترد بلسان هؤلاء: إنّ الذين هربوا من الوطن هم الجبناء، هم الذين وقفوا بعيدا ينتظرون انتهاء الحرب ليعودوا ولولا الذين بقوا لما وجد هؤلاء وطنا.

لكنّ الذين رحلوا يرون أنّ الوطن هو الذي قد رحل وليس هم، ما كان أمامهم من خيار، خيّب البلد آمالهم ولكل امرئ الحقُّ في الرحيل وعلى بلده أن يقنعه بالبقاء …. فنحن بسهولة نجد العزاء لفقدان الماضي، ولكن ما من شيء يعزينا لفقدان المستقبل ….

لا يقرر آدم العودة إلى المنفى مباشرة ….يقرر زيارة سمير أميس     ( سومي ) أحدى رفيقات الشلّة، والتي كانت تتحدث عن (حرية الجسد)  منذ السبعينيّات والتي رافقها قبل عشرين عاماً إلى بيتها بعد سهرة مع الشّلّة وكانت تنتظر منه قبلة، لكنه حين خيّب شفتيها المتقدتين بحبه،  فعادت في اليوم الثاني تتأبط ذراع زميلهم بلال لتعلن للشلة زواجهما بعد فترة. بلال المتحمس إلى الحرية، وأنه علينا أن نتحدث عن عواطفنا ومشاعرنا وأجسادنا، والذي يحلم أن يكون كاتباً كلوركا وأورويل وغيفارا، ولكنّه حمل السلاح في تلك الحرب ومات بعد أربعة أيام تاركاً سومي أرملة، وأخاه الأصغر نضال مكانَه في المعركة، ولكنّه مسلحٌ بأفكار أخرى تعنونها لحيتُه المطلقة إلى آخر حدود التطرف الديني.

ويتجه آدم إلى لقاء سومي التي افتتحت فندقاً في الجبل حيث لقيته بفارغ فراشها، وصبر شفتيها على شفتيه عشرين عاماً، لكنها لم تدخل فراشه قبل أن تستأذن صديقته الباريسية بأن تستعيره منها لعدة ليال، وحين استنكر آدم برّرت له بأنه من الأفضل أن تعلمَ أنه يعلمُ أنها تعلم

ومن فندق الجبل يقرر آدم وخلال ستةَ عشرَ يوما أن يلمّ شمل الشلّة ولو لمرة واحدة في البيت القديم، مؤمنا بأنّ الحرب التي فرقتهم لم تكتف بالكشف عن أسوأ غرائزنا بل هي التي تصنّعها وتقولبها فكم من الأشخاص تحولوا إلى سارقين، ومهربين وخاطفين وقتلة وجزارين، وكان بوسعهم أن يكونوا أفضل الأشخاص على وجه البسيطة لو لم تقوّض الحرب مجتمعاتهم  …..

وها هو البير يقبل الدعوة، ألبير الذي اختطفته العصابات في لبنان وأنقذه مراد، وأرسله إلى آدم في باريس، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة، وأصبح عالماً في استشراف المستقبل هوايتِه منذ الطفولة.

وأين رامز ورمزي؟ اللذان عرفتهما الشلّة باسم التوءمين، كانا متلازمين وكأنهما توأم وهما المسيحي والمسلم، ودخلا معا كلية الهندسة وجمعا ثروة من العقارات وتزوجا من فتاتين تحملان الاسم نفسه ( دنيا ) …… لقد أفسدت النساء ما بينهما فرامز أصبح ثرياً إلى درجة أنه حمل آدم إلى بيته بطيّارته الخاصة بينما لجأ رمزي إلى الدير ليعيش في الفضاء تاركاً وراءه الدنيا التي ليست أكثرَ من واحة و من ذلك الدير طرد توأمَه رامزاً، الذي حاول ثنيه عن اعتكافه ورهبنته معلناً أنه المهندس الذي لن يعود إلى الدنيا ليبني قصور الأغنياء وسجون المظلومين … وحين زاره آدم أعلن له من مغارته المليئة بالصور والمنحوتات أنه سيحضر لقاء لمّ الشمل.

وينتقل آدم لدعوة نضال (أخي بلال) والذي التقاه في مكان عام بلحيته الطويلة، مخفوراً بحراسه المسلحين، وتهمِه الجاهزة لآدم وللغرب معاً، وكان حواراً حاداً حول الغرب والشرق / نحن وهم:

  • الغرب هو المؤمن حتى في علمانيته، والغرب هو المتدين حتى في إلحاده، وهنا في المشرق لا يكترث الناس للعقائد الإيمانية بل للانتماءات فطوائفنا عشائر وغلوّنا الديني شكل من أشكال القومية.
  • نحن وهم: نحن نكرههم وهم يكرهوننا
  • ذهنية العصر هي التي جعلت من الشباب ماركسيين ثم متطرفين
  • الحق ليس على الدين في هزائمنا، الدين عنصر والحق علينا وإذا كنا مذنبين في نظر العالم فالحق كلّه علينا

وحين يسأله بلال ما شأنك بلحانا يجيبه آدم: ما يعتمل في قلبك ليس من شأني أما مظهرك الخارجي فهو تأكيد علني للآخرين …. هو من شأني ويحقّ لي الموافقة أو عدم الموافقة عليه، ويصل الحوار إلى طريق مسدود لكنّ نضال يقبل دعوة لمّ الشمل.

وماذا عن نعيم اليهودي؟ والذي لا يُسمَح له سياسياً بالقدوم إلى لقاء لمّ ا لشمل إلا احتيالاً بحكم يهوديّته، ويشرح برسالة طويلة ردا على دعوة آدم كيف أنّ دولة إسرائيل هي التي جلبت الويلاتِ لليهود في الوطن العربي، رغم أنّ أباه موسى كان يرى أنّ من حق العرب واليهود أن يعيشوا في فلسطين، ومع كلّ الصعوبات تمكن نعيم من الوصول إلى لبنان للقاء لمّ الشمل.

وجاء اليوم السادس عشر؛ موعدُ اللقاء الذي خُطّط لكلّ تفاصيله حتى المشروب الذي سيقدم من الخمر إلى القهوة، وليخترْ كلّ ما يريد شربه في ذلك اللقاء الذي سيجمع صاحبة فندق متحررة تنادي بحرية الجسد ومسلم متطرف يكفّر الجميع وباحث في التاريخ متّهم بالإلحاد وراهب اعتزل الدنيا وتوءمه الذي سيصل بطائرته الخاصة، ويهودي ذنبه أنه يهوديٌ عربي، شلة لا ذنب لهم في كل ما جرى، والمذنب الوحيد هو الحرب التي شتتهم، وما عاد يجمعهم إلا ذكريات مشتركة، وحنين لا برء منه.

هروب الروائي من لَمّ الشمل:

والمفاجأة الكبرى أنّ الذي هرب من هذه المواجهة هو الروائي أمين معلوف كاتب الرواية وذلك باختياره نهاية مأساوية لروايته.

ذهب آدم في اليوم المقرر لإحضار رمزي من ديره في تلك المنطقة الوعرة، ولكنّ السيارة تنهي كلّ شيء بحادث مأساوي يموت فيه رمزي، والسائق بينما يُسعف آدم بطائرة خاصة مزودة بأجهزة طبية إلى فرنسا.

 

التائهون وروايات الحرب:

 

التائهون واحدةٌ من روايات كثيرة تناولت موضوع الحرب في نهاية القرن العشرين، ومطلع القرن الحادي والعشرين مرورا بحرب الخليج وثورات الربيع العربي محاولة أن تطرح شيئا من الإشكاليات التي خلفتها تلك الحروب، لكنها ينطبق عليها ما قيل وما أذهب إلى رؤيته في جميع تلك الروايات وخلاصته:

رواية ” التائهون ” كغيرها من تلك الروايات التي حاولت أن تقرأ الواقع العربي في العقود الأخيرة بتصورات رمادية يختلط فيها التداعي بالموت كما لو كانت كلُّ رواية رثاءً لما كان، وانصرف قبل أن يتحقق، فالمعلوف الروائي لم يجعل همّه كهم آدم الرواي، وهو لمّ الشمل، وما سيحدث فيه بل كان همُّه وصفَ التداعيات التي ورّثتها الحرب فكرياً لنخبة كان الفكر اليساري يوحدها قبل الحرب، وقد جاء شرحها من خلا ل الحوارات بين الشخصيات على امتداد 550 صفحة وما من داع لتكرارها في لقاء لم الشمل، فالمعلوف يتقاطع مع غيره من الروائيين في الاكتفاء بوصف الواقع وتداعياته، وطرح الأسئلة لكنهم جميعا لم يستطيعوا طرح إجابات أخيرة وبعجالة أستعرض أهم العناوين التي أعنيها تأكيدا لفكرة الرثاء الروائي لما كان قبل الحرب فأحمد الزين في اليمن يخلص في رواية ستيمر بوينت إلى أنّ عدن هي نفسها قبل الاستقلال وبعده، وهدى بركات اللبنانية في رواية ملكوت هذه الأرض تؤكد أن الحرب الأهلية اللبنانية كشفت أنّ ما كان يبدو بريئاً قبل الحرب تكشّف عن أمر آخر، أما العراقي أحمد السعداوي في فرانكشتاين في بغداد فالحرب عنده هي التي فجرت الطائفية، والاستبداد، وكذلك شاكر الأنباري في نجمة البتّاويين، وقبلهما المسرات والأوجاع لفؤاد التكرلي، كل هذه الأعمال وغيرها كثير عالجت واقعاً عربياً ضبابي الأفق تسكنه الأشباح ويتطاير في فضائه أكثرُ من دمار فبعضها قرأ الزمن الحاضر، وبعضها كالمعلوف قرأ ما يتلوه وليس أبعد.

ومن ناحية أخرى تتميز هذه الرواية بأنها تناولت فكرة الهويّة من الجانب الاجتماعي والنفسي، وشرحت مأزق الانتماء والعلاقة مع الوطن (ولا ننسى أنّ معلوف هو صاحب الهويات القاتلة)

فالرواية كجنس أدبي بدأت تاريخها لخدمة الوعي القومي، وتشكيل ما يسمى الضمير الجمعي للأمة لكنها تنحرف اليوم عن مهمتها إلى اتجاه آخر حيث برز اتجاه روائي معاكس وخاصة الرواية الأمريكية اللاتينية     (ماركيز وإيزابيل ليندي  وباولو كويلو وماريو فارغاس لوسا  وغيرهم) والآسيوية والإفريقيّة وهو اتجاه يدعو إلى عولمة الأفكار والثقافات، ولا تخفى الجوانب الايجابية للعولمة الثقافية التي تفوق سلبياتها المدّعاة وخاصة في مقدرتها على نزع فتيل التأزّم الروحي والعقلي الناجم عن الشعور بالدونية الثقافية، فإحدى الشخصيات في الرواية تقول : إني أنتمي بحكم الولادة إلى حضارة مهزومة وإذا لم أشأ التنكر لأصلي فأنا محكوم بالعيش مع هذه الوصمة على جبيني فرواية الحرب أشعلت حربا أخرى بين المهاجر المنتمي إلى وطن في الذاكرة، وبين ذاته التي تعيش في وطن آخر والمتحارَب عليه هو الهوية.

هذه قراءة سريعة في رواية تستحق قراءة متأنيّة لكل ما حاولت أن تطرحه من رؤى وأفكار، تحتمل حوارات كثيرة وطويلة، وأولها سؤال: هل تنسحب رؤية المعلوف للتائهين اللبنانيين على التائهين من الشعب السوري، ذلك الشعب الذي قامت الثورة باسمه، ثم وجد نفسه مطرودا على كل الطرقات، متناثرا مزق حنين على خمس قارات لم تستطع حتى اليوم إيقاف الحرب التي تقذف به إلى الموت المعجل والمؤجل بكل ويلاته وألوانه؟

 

*********

*أمين معلوف : كاتب وصحافي لبناني ولد في بيروت 1949عمل في الملحق الثقافي لجريدة النهار اللبنانية ثم انتقل إلى فرنسا وترأس تحرير مجلة جون افريك، حائز على جائزة غونكور الأدبية وجائزة أمير أوسترياس على مجمل أعماله

أعماله وبالتسلسل: الحروب الصليبية، ليون الأفريقي، سمرقند، حدائق النور، القرن الأول بعد بياتريس، صخرة طانيوس، سلالم الشرق، رحلة بالدسار، الحب عن بعد، الهويات القاتلة، بدايات، الأم أدريانا اختلال العالم وأخيرا التائهون …

  • ما جاء في النص بخط قاتم هو اقتباسات من الرواية مع بعض التصرف أحيانا.
  • زياد الأحمد: كاتب وناقد سوري – يقيم في تركيا

[1] رواية التائهون –  أمين معلوف ، ترجمة نهلة بيضون – دار الفارابي ط1 / 2013