البوكر العربية.. ماذا يعني فوز هُدى بركات؟

البوكر العربية.. ماذا يعني فوز هُدى بركات؟

حملت جائزة البوكر العربية مفاجآت كثيرة هذه السنة. فبالإضافة إلى استحواذ كاتبة امرأة عليها لأول مرة في تاريخها، تم، لأول مرة أيضا، تسريب اسم الفائزة، قبل الإعلان الرسمي عن النتائج بساعات. ما اعتُبِر ضربا في مصداقية جائزة من أكبر جوائز الرواية العربية.

الجائزة العالمية للرواية العربية أو “البوكر العربية” هي واحدةٌ من أكبر الجوائز الأدبية التي تحتفي بالرواية العربية، وتشجّع المبدعين العرب من جميع البلدان على المزيد من الإبداع في مجال الرواية، وذلك بالمساهمة في انتشار أعمالهم على نطاقٍ أوسع، وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية.

وبعد عشر سنواتٍ من تاريخ الجائزة، يمكن القول إنّ الأسماء التي حازتها تنوّعت بين روائيين مكرّسين مثل بهاء طاهر ومحمد الأشعري ويوسف زيدان… وآخرين شباب، منهم سعود السنعوسي ومحمد حسن علوان…

هذه المرّة، حصدت الجائزة كاتبةٌ امرأة وهي اللبنانية هدى بركات عن روايتها “بريد الليل” التي صدرت عن “دار الآداب”. بركات لم تصل إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية إلا مرّةً واحدة سنة 2013 عن روايتها “ملكوت هذه الأرض”، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة “مان بوكر العالمية” عن مُجمل أعمالها عام 2015.

هدى بركات وبريد الليل

هدى بركات كاتبةٌ لبنانية. وُلدت في بيروت عام 1952. تراوح مسارُها المهني بين الاشتغال في الصحافة والتدريس، وتعيش حالياً بباريس.

تتناول “بريد الليل” حروب الشرق الأوسط والقتل والجهل المنتشر كما تنتقد الحكومات العربية وتثور في وجه عقلية المجتمعات الشرقية.

بركات، التي سبق وأصدرت ستّ روايات ومسرحيتين ومجموعة قصصية، استطاعت أن تحوز البوكر عن روايتها الأخيرة “بريد الليل”. روايةٌ تقع في 128 صفحة، وجاءت على شكل مراسلات.

تحكي “بريد الليل” خمس قصص عبر خمس رسائل لأشخاص مختلفين يتعرّف القارئ عليهم عبر بوحٍ مسائي قاتم. إنها حكايات أصحاب رسائل. رسائل كُتبت وضاعت مثلما ضاعوا، هم المهجّرون، المنفيون، المشرّدون والمغتربون…

بشكلٍ أعمق، تتناول الرواية حروب الشرق الأوسط والقتل والجهل المنتشر. كما تنتقد الحكومات العربية، وتثور في وجه عقلية المجتمعات الشرقية.

تسريباتٌ مريبة

فازت رواية بركات بالبوكر. إلا أنّ الكثيرين، ومنهم أدباء وكتّاب، ليسوا راضين تماماً عن هذه الدورة. إذ اعتبروا أنّ عدد صفحات الرواية الفائزة كان قليلاً جدّاً بالمقارنة مع الرّوايات التي فازت سابقاً، والتي كانت رواياتٍ من الحجم الكبير.

وخلافاً للدّورات السّابقة التي لم يُعرف فيها الفائز بالجائزة قبل الإعلان الرّسمي عن ذلك، تمّ، هذه المرّة، تسريب اسم الفائزة ساعاتٍ قبل حفل أبو ظبي الذي أقامته إدارة الجائزة أمسٍ مع السّاعة السابعة مساءً.

هذا الخبر، بلغ صحيفة “أندبندنت عربية”، التي قالت إنّ مصدر التسريب “قد يكون دار نشر عربية استُبعدت الرّواية التي رشحتها، وأرجعت فوز هدى بركات إلى أنّ عضواً في لجنة التحكيم على صداقةٍ بالإسم المرشّح الذي وصل إلى القائمة القصيرة”.

المفاجأة الثانية، حسب “أندبندنت عربية” هي فوز كاتبةٍ كانت أصلاً رفضت الترشّح، واعتذرت من الدّار التي تنشر أعمالها، “لكنّ لجنة التحكيم طلبت ترشيحها، أو رشّحتها بعد استئذان دار الآداب التي أقنعت هدى بركات بضرورة الترشّح”.

خلافاً للدّورات السّابقة التي لم يُعرف فيها الفائز بالجائزة قبل الإعلان الرّسمي عن ذلك سُرّب هذه المرّة اسم الفائزة ساعاتٍ قبل حفل أبو ظبي.

لجان التحكيم.. مهادنة “الكِبار”

حسب هيثم حسين، ناقد وروائي سوري، فإنّ “حجم الرّواية الفائزة ليس بالمشكلة، لأنّ الحجم لا يُعتبر أساساً للتكريم والتتويج، بل إنّ المشكلة في لجان التحكيم التي تفتقر للثقة بخياراتها، وتنساق وراء هالاتٍ مفروضة عليها من أسماءٍ توصفُ بالكبيرة، أو دور نشرٍ وازنة”.

ويضيف حسين، في تصريحه لـTRTعربي، أنّ “لكلّ دورةٍ من الجائزة إشكالاتُها التي تعود في أساسها إلى لجان التحكيم والآليات التي تتبعها لاختيار القائمة الطويلة وبعدها القصيرة، لدرجة باتت هذه اللجان توصَف بأنّها تهادن الكبار وتتحاشى غضبهم”.

على هذا الأساس، اعتبر الكثيرون، ومنهم الناقد هيثم حسين، أنّ “تتويج هدى بركات يُشتمّ منه نوعٌ من الإرضاء، وكأنّ على اللجنة أن تُرضي “الزعلانين” ممن يوصفون بروائيين كبار لهم حضورٌ هنا وهناك”.

أسماء مكرّرة… تبادل التنفيعات؟

وبالرغم من أنّ الأسماء الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية تنوّعت بين كُتّابٍ مكرّسين وشباب، غير أنّ نُقّاد كثيرين يعيبون على الجائزة تكرار أسماء معيّنة في القوائم الطويلة والقصيرة.

بالرغم من أنّ الأسماء الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية تنوّعت بين كُتّابٍ مكرّسين وشباب غير أنّ نُقّاد كثيرين يعيبون على الجائزة تكرار أسماء معيّنة في القوائم الطويلة والقصيرة.

في هذا السياق، يقول هيثم حسين لـTRT عربي أنّ “هناك أسماءً في ميدان الجائزة توصَفُ بأنها منضوية في إطار شِللٍ ثقافية تتبادل التنفيعات وتتبادل الحضور، سواء في لجان التحكيم، أو يتمّ اختيار أعمالهم ضمن القائمتين الطويلة والقصيرة”.

وإذا كان الهدف من الجوائز الأدبية، ومنها البوكر، هو الاحتفاء بالأعمال الإبداعية عامّة، والرّوائية خاصّةً، إلّا أنّ المتحدّث نفسَه يعتبر أنّ “هناك خشيةً من أن تتحوّل البوكر إلى أداةٍ للعبث بالفنّ الروائي وتشويهه، من خلال تصدير أسماء مكرّرة وتكريسها لتتصدّر المشهد الروائي العربي، على حساب إبعاد أعمال قيّمة ولافتة إلى الظلّ”.

ماذا يعني فوز كاتبة؟

وبالرّغم من كلّ الانتقادات التي تتعرّض لها جائزة البوكر العربية، وخاصّةً في هذه الدورة، حيث طُرِح سؤالُ مصداقيتها، لكنّ فوز هدى بركات يُمكن أن يُعتبر نقلةً نوعية في تاريخ هذه الجائزة.

فطيلة عُمر الجائزة الذي يُقدّر بعشر سنوات، كان الكتّاب الرّجال هم من يستحوذون على البوكر، إلّا مرّة واحدة فقط، حيث فازت الرّوائية السعودية رجاء عالم عن روايتها “طوق الحمام”، لكن مناصفةً مع الرّوائي المغربي محمد الأشعري عن روايته “القوس والفراشة” عام 2011.

ستكون سنة 2019 فارقةً إذن في تاريخ الجائزة، إذ استحوذت امرأةٌ عليها. وفي هذا السياق، ترى جنى الحسن، روائية وصحافية لبنانية، في تصريحها لـTRT عربي أنّه “ليس هناك كوتا في الأدب، أي أنّ امرأةً يجب أن تفوز فقط لأنّها امرأة، ولا رجلاً فقط لأنّه رجل، ما يهمّ هو فوز روايةٍ جيّدة بغضّ النظر عن جنس الكاتب”.

ومع ذلك، تعتبر الروائية اللبنانية التي سبق أن دخلت القائمة القصيرة للبوكر مرّتين، أنّ “منح الجائزة لامرأة تطلّب جرأةً من لجنة التحكيم، وهو أمرٌ إيجابي جدّاً”.

المصدر: TRT عربي