سبتمبر 22, 2018
  • سبتمبر 22, 2018
ديسمبر 7, 2017

الإخراجُ الروائيُّ عبد الدايم السلّامي

By heysem1@hotmail.com 0 1 Views

»إني رأيتُ أنَّه لا يكتب إنسانٌ كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيد هذا لكان يُسْتحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا لعمري من أعظم العِبر، وهو دليلٌ على استيلاءِ النّقص على جُمْلة البشر«.
القاضي عبد الرحيم البيساني
-1-
يتردّد على ذهني، مع بعض الروايات الجديدة التي أُنهي قراءتَها، قلقٌ أدبيٌّ أشعُرُ معه بأنّه كان يمكن لصياغَتها أن تكون أفضل ممّا هي عليه، وأحيانا أقول بانزعاجٍ (وأظنّكم تعرفون ماذا يفعل القارئُ عندما ينزعجُ): ليت الروائيَّ قدّم هذا المشهد وأخّر ذاك، ليته زادَ من حَبْكِ بنيةِ هذا الحدث أو نَقَلَه من هذا المكان إلى ذاك، ليته غاص أكثر في نفسية هذه الشخصية وأَنْطَقَ جروحَها الغائرةَ، ليته أبطأ السَّردَ هنا، وزاد من سرعته هناك، ليته حذف هذه الجملةَ أو هذا المقطعَ وأطال في ذاك، وغير هذا كثيرٌ من “ليتَ الروائيَّ”. ودائما أهدِّئُ قلقي بالقولِ: هل أنا أدرى من الروائيّ بكتابةِ روايته؟
قد أفسِّرُ قلقي الأدبيَّ بكوني أريد أن أمُدَّ ساقيْ لذّتي القرائيّةِ أكثر ممّا يسمح به النصُّ الروائيّ، فالقارئُ، كالعاشِقِ، يعذِّبُه الحُبُّ ويُعذِّبُه النُّقْصانُ فيه. وقد أَرُدُّه إلى شعوري بأنّ مشهدَنا السرديَّ الراهنَ كثيرُ الرواياتِ قليلُ الرِّواية، وقد أضيف أيضًا ما قد يتبادر الآن إلى أذهان البعض بأني أتحرّش بروايات الروائيّين (وهل القراءة، في بعض معانيها، إلاّ تحرّشٌ بالنصّ؟). ومهما تنوّعت أحوالُ قلقي فإنه يظلُّ ممزوجًا بالهاجس التالي: لا بُدَّ من “فنٍّ أدبيٍّ” متّصل بكتابة الرواية، يسعى بها إلى كمالها الأدبيّ، ويُنجَزُ على مخطوطِها قَبْلَ نشرِها، ويقوم به شخصٌّ ذو كفايات قرائيّة سأفصِّلُ القولَ فيها لاحقا، ويمكن أن أُسَمّيه: المُخْرِجَ الرِّوائيَّ. وإنّي أعرفُ من الآن أنّ الحديث في هذا الفنِّ سيُغْضِبُ الروائِيّين، وسيذهبون في تأويل ذلك مذاهب كثيرة كأنْ يقولوا مثلا إنّ في حضور المخرِجِ الروائيّ محوًا لبصمةِ الكاتبِ وانتهاكا لحرمتِه الإبداعية، بل ربّما يذهب بعضُهم إلى القول إنّ المخرِجَ الروائيّ إنما هو إنسان قد فشل في كتابة الرواية ويريد أن يجد له مكانا في تاريخها. وهذا كلُّه ممكنٌ.




-2-
على مدارِ الأيّام الماضيةِ استمتعتُ بصُحبةِ أشهر قادة الأركسترا في القرن العشرين، وهم “Carlos Kleiber” و”Herbert von Karajan” و”Leonard Bernstein”، حيث قرأتُ سِيَرَهم الذاتيةَ، وحاولت الإلمامَ بطبيعةِ مَهَمّاتهم الفنية، وشاهدتُ أغلب فيديوهاتهم وهم يقودون الأركسترا ضاربينَ بعِصِيِّهم الإلهيةِ أمواجَ الفوضى في العالَم ومُعيدين لزمن الناسِ براءةَ ألحانه وانسجامَها. وقد وقفتُ في خلال ذلك على حقيقة أنّ قائد الاركسترا (المايسترو) لا يُبدِعُ الموسيقى، وإنما هو يُبدِعُ فنّ تجلّيها، وفنَّ الاستماعِ إليها، بل هو يخلق حوارات بين جُمَلِها ليخترق بها زَمَنَ الناسِ وسُكونيتَه، وهو إذْ يُذيعُ فنَّ الاستمتاع بإيحاءاتها يَجْعَلُ منها زمنًا بديلاً ذا أجنحة ملائكية تطير بالكائن بعيدا عن نَكَدِ اليوميّ. والحقّ أنّ ما نسمعه من الأركسترا ليس تحريفًا لنوتات الموسيقى كما كتبها أصحابُها أمثال بيتهوفن وباخ وموزارت وتشايكوفسكي، وإنّما هو ترفُّقٌ بها إلى حيث يَتَكوّنُ كمالُها الفنيُّ عبر إخراجٍ لها خاصٍّ تحضرُ فيه رؤية المايسترو الجسدية والوجدانية لأقصى ما يمكن أن يكون عليه جمالُ تلك الموسيقى، وتقطيرٌ لأصفى حكاياتها. وقد أثارتْ فيَّ مشاهدتي فيديوهات الأركسترا بعض الأسئلة المتصلة بالرواية أذكر منها: أليست الرواية سمفونية حكائية؟ وإذا كان ذلك كذلك، أليست محتاجةً بدورها “إخراجًا روائيًّا” لمُكوِّناتها تصير به أكثرَ تَهَيْكُلاً وصَقْلاً فنيًا ومضمونيًا؟ ألا نجد روايات كثيرة ظلّت بعد نشرها باهتةً، منسيّةً وبلا طعم، والحالُ أنه كان يمكن لها أن تكون ذات مقروئية عالية لو أُخْضِعَتْ كتابتُها إلى بعض التعديل في مفردات خبرها وعناصر خطابها؟ أليسَ من حقِّي الجماليِّ أنْ أقرأ روايةً يتحقّق فيها الأغلبُ الأعمُّ من مواصفاتِ الكتابة الأدبية؟ وهل أضرَّ فلوبير استئناسُه بما أمدَّه به صديقُاه “ماكسيم دو كامب” و”لويس بْوِيلاي” من ملاحظات فنية ومضمونية حول مخطوط روايته “مدام بوفاري”؟
-3-
ثمَّ “شيءٌ” من المُخْرِجِ الروائيِّ موجودٌ الآن في مشهدنا السردي، إلاّ أنّ كلَّ المُخْرِجِ ظلَّ ذاك الرَجُلَ الذي نُحبُّه في السِرِّ ونُخفيه في العلَنِ. ويبدو لي أنّ الوقتَ قد حان لإظهاره عبر تحديد ملامحه ومهامِّه (وسيظلّ كائنًا أسطوريًّا: نسمع به خلسةً ولا نراه، ويحضُرُ فعلُه في النصِّ ويغيبُ اسمُه عنه، وهذا أبقى له وأضمن). ومن تلك الملامح أنّه يختلف عن المُحرِّرِ الأدبيِّ (بمفهومه الجاري عندنا) وإنْ اشتركا في بعض المَهَمّات. وصُوَرُ هذا الاختلافِ أنه يكون في تواصل مباشر مع كاتب الرواية دون واسطة إدارية، حيث تجيئه الروايةُ باختيارها (برغبةٍ من كاتبها)، بينما يكون المُحرِّرُ مَوَظَّفًا لدى مؤسّسةٍ ذات اهتمامٍ أدبيٍّ (مثل دُور النَّشر وغيرها) وهي التي تفرِضُه على الروايةِ. يُضاف إلى ذلك أنّه يُنجزُ مهمّته متطوِّعًا ومدفوعا بعشقه الأدبَ، وغايتُه هي تحقيقُ مُتْعةِ مُخالطةِ النُّصوصِ الأدبية، فهو يشتغل ضمن سياق عِشْقيٍّ إتيقيٍّ يُرضي فيه الروايةَ، في حين يشتغل المحرِّرُ الأدبيُّ على الرواية وغايتُه هي الاسترزاق منها حتى وإن كان مُحِبًّا للأدب أو كاتبًا له، أيّ هو يشتغل ضمن سياق تجاريٍّ حسابيٍّ يُرضي فيه مُشَغِّلَه. هذا فضلا عن أنّ الإخراج الروائي يقوم على التفاهم بين المُخرِجِ والكاتبِ بفضل ما يجمعها من شغفٍ بمادّةِ الحكايةِ، في حين لا أستَبْعِدُ أن ينشأ سوء تفاهمٍ بين المُحرِّرِ والكاتب بسبب حكاية المادّةِ أو ما ينجرُّ عنها من مسائل أخرى (مثل الاختلاف حول حجم العمل، ومدّته الزمنية، وطبيعة التعديلات المُجْراة على النص، …إلخ). ولا أنسى في هذا الشأن التذكيرَ بأنّ ترجمةَ لفظةِ “مُحرِّر” إلى اللسان الفرنسي مثلاً تُحيل على الناشر (éditeur)، سواء أكان شخصًا ماديا أم معنويًّا، وما يكون له من مسؤولية البحث عن أناسٍ يتكفّلون بتدقيق النصوص ونشرها ومتابعة توزيعها، ويقابل مفهومَ المُحَرِّرِ الأدبيِّ -كما هو دارج عربيًّا- شخصُ القارئِ المُدَقِّقِ للنصوص قبل نشرها (lecteur correcteur). واتكاءً على هذا أقول إنّ المُحرِّرَ والمُدقِّقَ غيرُ ما أعنيه بالمُخْرِج الروائيِّ وَفْقَ ما سأقترح له من مهامّ.




-4-
يمكن أن يكونَ المُخرِجُ الروائيُّ قارئًا مُتمرِّسًا بفنّ السَّرد وذا شغفٍ خاصٍّ بالرواية (مثلا هناك قرّاء مختصّون في الشعر، وآخرون يُقبِلون على قراءةِ القصة)، أو يكونُ روائيًّا مُتمكِّنًا من كتابة الرواية وذا شغفٍ خاصّ بالقراءة (لا اعدِمُ هنا وجودَ روائيّين لا يقرؤون الروايات)، وفي الحاليْن ليس المخرِجُ الروائيُّ ذاك الذي يخلقُ نصَّ الرواية، فهذه وظيفة الكاتبِ، وإنما هو ذاك الذي يعرفُ كيف يُسوّيه. إنه المايسترو الذي يستدرجُ أحداثَ مخطوطِ الرواية وشخصياتِها ولغتَها إلى حَلْبةِ خياله ليُراقِصَها بكلّ جسده وروحه، يُراقصها بحميمية وبلا حيادٍ، فالحياد مع النصِّ يُفشل مَهَمّة قراءته وتعديله. ولمّا تبلُغُ تلك العناصرُ الروائيةُ نشوتَها في ذهنِه، وتُنْبِئُه بالكامِنِ فيها والمُمْكنِ من إيقاعاتِها ومفاتنِها ونواياها، يُعيدُها إلى النصِّ طريّةَ الجسد حارّةَ العواطف وفق هرمونيا يستشعر وجاهتَها الفنية، يُعيدها محمولةً في ملاحظات (اقتراحات) ليس أمامها إلاّ أن تُقْنِعَ الكاتب أو أنْ تُهمَلَ، وهي لا تتعدّى في الغالب إضافةَ جملةٍ هنا أو حذفَ حشوٍ هناك أو تغييرَ موقع حدث ضمن نظامِ الأحداث كما هو وارد بالمخطوط، ولكنْ: أيُّ جملةٍ تستأهل أنْ تُضافَ؟ وأيّ حذف ممكنٍ، وأيّ حدثٍ يحتاجُ تغييرَ موقعه؟
والرأيُ عندي أنّ المخرجَ الروائيَّ لا يستطيعُ أن يُقنِعَ كاتبَ الرواية بوجاهةِ اقتراحاته إلاّ متى كان قارئًا ذا خِبْرة في مخالطة النُّصوص الروائية، وله اطلاع على منجَزِ السّرد العربي والعالمي واتجاهات حركتِه، إضافة إلى وعيِه بآفاق الدراسات النقدية وحدودها الإجرائية، مع تمكّنه من اللغة، وتنبّهه للأذواق القرائية الرائجة، وإحاطته بثقافة النص الأدبي وارتباطاته بفنون عصره وقضاياه (وأزعم أنّ هذه الأوصاف لا تتوفّر في أغلب الجامعيين والروائيين الفائزين بالجوائز، وإن وُجدت فيهم يومًا مّا، فإنّ الغالب عليهم أنهم سريعا ما يتخلّون عنها أو يحوّلونها -بسبب نرجسيّاتهم المعرفيّة والجوائزية- إلى آلات فتّاكة لقمع نصوص الآخرين).
-5-
الإخراج الروائي تجربةٌ ومعرفةٌ وذوقٌ وأخلاقٌ أدبيّةٌ معًا. إنه اقتراحُ ممكناتِ تشكُّلٍ أخرى للباهِتِ من عناصرِ الرواية ليُظهرَ طبيعتَها الاجتماعية (أي أن يعزِّزَ في الروايةِ يقينَها بأنها سردٌ للناس وليس للملائكة)، وليَضمنَ للقارئ أن يشعُرَ في كلّ لحظة قرائية بأنّ الحكايةَ تجري فيه، وتعنيه. ذلك أنّ كيفية تقديم “طَبَقِ” الرواية نصفُ لذّتِها، وحَسْبُ المخرِجِ في ذلك أن يعي بأنّ كل مكوِّنٍ من مكوِّنات الرواية الخطابية والخبريّة إنما هو يمثّل في ذاته عالَمًا له نظامه الخاصّ، ولكنّه نظامٌ منتظمٌ في فضاءٍ أكبرَ هو مجرّةُ الروايةِ، ومن ثمَّ ينصبُّ الإخراجُ على خلق أصفى أحوالِ التواصل بين مفردات كلّ عالَمٍ، وبينها وبين مفردات باقي عوالم الرواية. وعليّ أن أشير هنا إلى أنّ الإخراجَ مَهَمّةٌ لا تُذيب كيانَ الرواية كما كتبها صاحبُها، بل هي تصقُلُه ليصيرَ جميلَ البناءِ ومتوهّجَ الدَّلالةِ، وهو صقلٌ يُنجزِه المخرِجُ عبر معرفة نقاط قوة الرواية لإظهارها والوقوف على نقاط ضعفها لتعديلها، فإذا هو يستمع إلى همس كلّ لفظة فيها، ويتنبّه لكلّ حركة تقوم بها الشخصية ولكلّ منطوقٍ لها، ويتبيّنُ حركةَ الأزمنة وهي تخترق السّرد، ويقدِّرُ مناسبةَ كلّ ذلك لتحريرِ النفسيِّ والثقافيّ في الشخصية (إظهاره في اللغة، وجعله خادمًا لأفعالها ولطبيعة علائقها بباقي الشخصيات)، بل وعليه أن ينظرَ في أحوالِ حضورِ الشخصية في مخطوطِ الرواية، ويُقنِعُها، يقنع الشخصيةَ، بما يجب أن تكون عليه أفعالُها ومواقفُها حتى تُساهم بفاعليّة في زيادة التوتّر الحكائي. ويمكن أن يعمِدَ المخرِجُ إلى إعادة ترتيب المَشَاهد السَّرْدية وَفْقَ إيقاع مضمونيّ وسيرورة دراميّة يُقدِّرُ -وَفْقَ خبرته القرائية- أنهما سيشدّان القارئَ إلى النصّ، وذلك عبر خلق حوار بين المَشَاهد يتمّ فيه تقديمُ بعضها وتأخيرُ بعضها الآخر، وتسريعُ وتيرة سردِ هذا، وإبطاءُ سردِ ذاك، وتكثيف اللغة في هذا المقطع بتخيلصه من الحشو، وتطريةُ لغةِ السَّرْد في مقطع آخر، والتنبّه إلى التناقضات التي يمكن أن تتسرّب إلى أحداث النصِّ. وهو أمرٌ يُحقّق للنصِّ حُسنَ جريانه في القراءة ويُظهرُ الممكنَ من أشكال حضور كلّ مكوّناته حضورَ الضرورة، فلا شيء منه يُمكن الاستغناء عنه، ولا شيءَ يُمكن أن يُضافَ إليه. ولا أرى في مَهمَّةِ المخرِج الروائيِّ إلاّ حُلمًا بتثوير الكتابة الروائية وبحثا لها عن آفاقٍ جديدةٍ لتكوُّنها الجماليٍّ.

الرواية نت