اقتفاء آثار الغربة.. قراءة في "الجميلات الثلاث" لفوزية شويش السالم

اقتفاء آثار الغربة..  قراءة في "الجميلات الثلاث" لفوزية شويش السالم

“أنا لا أذوب.
بكل بساطة اكتشفت عدم ذوباني في كل ما مررت به من ظروفي الحياتية…
ما الذي جعل هذه الغربة تدخل مكامن الروح وتتسلل إليها ؟”
تأخذنا رواية الجميلات الثلاث الصادرة عن دار العين 2017 للكاتبة فوزية شويش السالم في رحلة زمانية ومكانية طويلة محاولة اكتشاف إجابة هذا السؤال.
لعل ثراء هذه الرواية يكمن في تعدد روافد الوعي فيها بدءا من الصفحات الأولى حين نرى مجموعة من البنات مختلفات الأيدولوجيا واللهجة في المدرسة
” شنو سويتي …. ليش تبيك …شو عملتي …عملتي ايه.. يا علي.. “
وصولا لاختلاف اللغة وتعدد الهوية العرقية والثقافية للأب، وبالتالي بناته.
هذا الثراء المتعدد هو ما تقوم عليه الرواية، تحاول فك تفاصيله ومعرفة موقعها الشخصي منه.
نستطيع تفكيك الرواية للقطات أشبه بلعبة البازل تحاول تجميع القطع الصغيرة لتشكل صورة نهائية تمكنها من إجابة سؤالها المؤرق: ما سبب الشعور الدائم بالغربة؟
تتنقل الساردة بين ضمير المتكلم والراوي العليم وبين المتكلم الذكر والأنثى بسلاسة، هناك العين الراصدة دائما التي لا تذوب في أي شخصية وإنما تخضعها للتساؤلات والتحليل والرصد.
” ما السياج الوهمي الشفاف الحائل بيني وبينهن؟
ما الذي يجعلني أبعد من القرب الذي يجمعهن؟”
في رحلة البحث عن الإجابة هناك عنصرين أساسيين : اللغة ، والبيت
اللغة ) )
“توناي ” ابنة الرجل متعدد الهوية، تركي النشأة ،سعودي الأصل ، وكويتي الموطن
الأم كانت تتحدث التركية ومعها يتحدث الأب بنفس اللغة ، بموتها المفاجئ وبرغبة الأب في أن تتجاوز البنات آلام فقدها ، توقف عن استخدام لغتها
“ماتت اللغة بموتها ودفنتا معا في قبر واحد …
أراد ألا يسمع صداها يتردد من حوله على ألسنة الصغيرات اللواتي يذكرنه بها، حتى تجاوز أزمته وعبر زمن فقدها ”
لكن الفتاة الكبيرة “توناي” والتي كانت واعية إلى حد ما وقت وفاة أمها لم تتجاوز هذا الفقد وبقيت ذكرياتها معلقة في الفراغ لا تستطيع أن تقبض عليها، صورا صامتة بلا كلمات
تتساءل عن صوت الأم وهل كان حلوا.. تحاول سد فجوات الذاكرة أثناء معركتها لكسر ذراع غربتها.
الأب كان يتنقل بين الهويات ببساطة
” لغته تطاوعه، تقلبه في الحال من شخص إلى آخر.. تمنحه تحولا كاملا ، بدءا بالملابس وبالهيئة ولغة الجسد والعادات والتقاليد والمسميات ، وكل ما تفعله اللغة من قدرات لإعادة التركيب والخلق والهندسة ”
بهذا الطرح نعود للتساؤل المدهش في الفصل الأول، عن سر قوة “الكلمة ” وكيف تستطيع أن تزلزل كيان مدرسة بالكامل.
حين طلبت توناي من معلمتها شرح معنى كلمة في ديوان امرؤ القيس الذي استعارته من المكتبة، ولأن معنى الكلمة يخلو من الحشمة، ثارت المديرة متخذة ردود أفعال عنيفة مبالغ فيها جعلت توناي تتوقف طويلا عند سحر الكلمة وقوتها
” لأول مرة أدرك أن الكلمة قادرة على إشعال كل هذا الغضب الانفعالي، وأنها ذات خطورة لا تقل عما يحدثه زلزال”
” الكلمة حاملة لطاقة ورغبة روح قائلها.. لا تفنى حتى وإن فني قائلها ، لأن الطاقة لا تموت ..ربما تتحول إلى لعنة تمس كل من يحاول محوها أو بترها أو إزالتها .”
أثناء السرد يتم – عن عمد -وضع ألفاظ غير متداولة ،تركية ونجدية وغيرها : هوش جلدينيز – ابي اكشملار – حيوه – شنوحك ….إلخ ، وكأنها تطلب من القاريء أن ينتبه لتنوع الهوية واتساع الجغرافيا وبُعد التاريخ.
البيت ))
يتعدد الرحيل خلال الرواية، ذهابا وإيابا من اسطنبول، وكذلك من حائل وصحراء نجد
يكون الرحيل قسرا في البداية لظروف عمل الأب، ثم بإرادة الأب التي يفرضها على بناته حين يغير المسكن أكثر من مرة.
تبلغ ذروة الفقد في تكرار عملية بناء بيت العائلة، والتي تتم على مهل ، ثم فجأة يتم التخلي عنه…مرة بعد أخرى حتى لا تستطيع أن تسامح في ذلك أبداً
وأخيرا الرحيل طوعا، حين تقرر البنت الكبرى توناي السفر إلى حائل لترى المكان الذي نبتت فيه جذورها
” حاولت فهم ما يجتاحني من مشاعر غامضة تهزني، تتغلغل بي ، تنشب بأعماقي ، وتندفع بأحاسيس غير مفهومة ، غير واضحة ، غير متجلية ..شجن طاغ يلفني بحب وفرح ملتبس كأنه بكاء الروح وحنينها للمنبع الآتية منه ، لمكانها الأصلي ، لموقد نارها وجذوة تكونها ، وحنين الجذور لتربتها ، لطين خلقها وأسرار وجودها”
هنا تهدأ الغربة، وتتغلب على الحاجز الخفي الذي يمنعها من الذوبان ، تندمج مع التاريخ البعيد والجغرافيا الشاسعة …تستوعبها جميعا وتتماهى معها .
إشكالية الهوية ربما يمكن اختصارها في احتمالين …قبول الآخر بتعدد روافده لتكتسب ثراءً فكريا وإنسانياً متسع مع الاحتفاظ بالحالة المؤرقة التي لا تستطيع الإمساك بسهولة بما يسمى هوية خاصة. أو الإقصاء والرفض والتشبث بأحادية النظرة للحياة لتجنب المغامرة وكل ما من شانه أن يثير في داخلك تساؤلات شائكة حول ما تظن أنه الهوية.. أساسك واستقرارك..
الحالة الأولى على الرغم من أنها لا تمنح الراحة لكنها تمنح فضاء الاحتمالات.. بعكس الثانية المريحة التي لا تحمل إلا الجدب والفناء ولو على المدى البعيد.
“توناي ” اختارت الحالة الأولى وفككتها بالتحليل والسفر لتخلق لها هويتها المتفردة.

يتناول الجزء الأخير من الرواية تاريخ منطقة حائل وقصر برزان وقصر القشلة ودرب زبيدة ومدينة فيد التاريخية في مشهد فانتازي تجتمع فيه أربعة من النسوة هن :
زبيدة بنت جعفر زوجة هارون الرشيد ، المستشرقة جيرترويد لوثيان بيل التي يعود لها الفضل في توثيق تراث المنطقة وحفظ صور ما تبقى من قصر برزان ، زينب هانم الجدة التركية في رحلتها القاسية من وطنها الأخضر إلى صحراء لا تدري شيئا عن عاداتها ، وأخيرا توناي الحفيدة التي فيها تمتزج الهويات.
مما يجعلنا نستطيع أن ننسبها لما يسمى ب ” أدب الصحراء” بتفاصيلها وتاريخها الذي يغري بالبحث والاكتشاف.