سبتمبر 22, 2018
  • سبتمبر 22, 2018
فبراير 5, 2018

إلياس كانيتي، ضدّ الموت محمود عبد الغني

By heysem1@hotmail.com 0 0 Views

يعرف المغاربة الكاتب البلغاري-الألماني إلياس كانيتي (1905-1994)، جائزة نوبل (سنة 1981)، بكتاب أسفاره الشيّق إلى جنوب المغرب “أصوات مراكش”، الذي صدر باللغة الفرنسية عن دار ألبان ميشيل، وترجمه إلى العربية حسونة المصباحي، وصدر عن دار توبقال سنة 1988. يعود الناشر ألبان ميشيل في 2018 لنشر كتابه “ضدّ الموت” ضمن سلسلة “الترجمات الكبرى”، وفي حجم ضخم يضمّ 494 صفحة. وهو كتاب لم تكن للكاتب نية تأليفه، لأنه عبارة عن كتابات متفرّقة وأفكار فلسفية ظلّ كانيتي دائماً يتطرّق إليها منذ كتابه الشهير “حشود وقوّة”. لذلك كتب الصحافي الفرنسي نيكولا وايل (1957) أن المعركة الدونكيشيتية الدائمة لكانيتي ظلّت هي مفاهيم القوة والجماهير والسلطة… (لوموند، الجمعة 26 يناير/ كانون الثاني 2018).

السلطة في حاجة دائمة إلى الموت

لكل كتاب حكاية، وحكاية هذا الكتاب أنه خرج إلى الوجود قبل أوانه، إذ إن “مؤسسة إلياس كانيتي” لن تصبح متاحة إلا سنة 2024، لكن في بداية سنة 2000 قرّرت وريثته الوحيدة ابنته جوهانا كانيتي أن تنشر هذه الكتابات. وهي نصوص تبيّن ولع كانيتي بفن الحكمة، التي ظلّ يستوحيها من باسكال ونيتشه. كتابات قصيرة وخاطفة، يشكّل بعضها تخييلات صغيرة رفيعة وشديدة الكثافة.

يتشكّل أكثر من نصف الكتاب، الذي نشر بالألمانية سنة 2014، من كتابات غير منشورة، ما يعني أنه كتاب يضم نصوصاً تُنشر لأول مرّة، رغم عدم اكتمالها، ولذلك قيمة كبيرة في أوساط القراء والكتاب في أوروبا. وأكثر ما يمكن إبرازه هي “أوهام” الكاتب ورفضه للحقيقة الأكثر بداهة: الموت. يبدو كانيتي، حسب تعبير “ن. وايل”، واعياً للطبيعة “العبثية”، “السخيفة”، بل “التافهة” لـ”مقاومته” للموت. يكتب ساخراً من نفسه “رجل تافه، بعد عام على موته، يوضّب نفسه داخلنا وتتوقّع نجاة أرواحنا منه”، لأن الموت والقتل والسلطة، بالنسبة إليه، ترتبط بقوة وحميمية: “السلطة في حاجة إلى الموت لأنها تنبني على النجاة”. إن كلّ الطغاة في هذا العالم عليهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن يسمحوا لأنفسهم بركام من الجثث لتحيط بهم، ما يشكّل سعادة بالنجاة. إن محاربة السّحق (الموت) تشكل بالنسبة لكانيتي دلالة سياسية قبل أي دلالة أخرى.

وأي خيار آخر يمكن أن يرتبط بالموت، هنا والآن، بعيداً عن المرتجى الذي غذّته الديانات، التي لم يكن يؤمن بها، والتي تدعم إحكام يده على الأرض ويحافظ على وهم العالم الآخر؟

الموت يؤجّج التمرّد

يعطي كانيتي، حسب نيكولا وايل، في كثير من الأحيان الامتياز لسلسلة متتالية من التواري والظهور للنموذج الإنساني، وفي أحيان أخرى لـ “انتقال” الأرواح. كما أنه يقترح استئصال، من أعماقنا، التمثيل المعذّب للمدّ المزمن وتعويضه بالفضاء الثابت وغير قابل للتغيير. لكن المهم ليس هنا. ورفض الموت هذا لا يأخذ مصدره من الخوف من الموت الخاص. إن موت كل الناس هو ما يؤجّج تمرّده. من هنا يأتي الاستعمال المضطرد من طرف إلياس كانيتي لضمير الغائب حين يتحدّث عن نفسه، كما لو أنه يريد نشر كلماته على نطاق عام وممارسة الإقناع بشكل جيّد: “إنه الشاهد اليقظ للظلم الذي يتكرّر دون توقف، لا يكف عن ملاحظته بسخط ولا يستطيع منعه من التجدد. إنه مهدّد بخطر التعوّد على هذا الظلم. إنه يخوض حرباً بدون نهاية (…) في عالم مخنوق بالمشاريع المهداة لتدبير الموت، يوجد أحدٌ ما يُفترض أن يعارضه لوحده، الذي، إضافة إلى ذلك، مستعدّ ليؤخذ بجدية”.

إنها صفحات مجتزأة من النسيان، تضم أيضاً العلاقات الصاخبة بين إلياس كانيتي وبين أعظم الرجال في ماضيه الخاص: غوته، كلايست، بوخنر… إلخ، أو بين معاصريه: جيمس جويس، ومن يوجد قبرهم قرب قبره: زوريخ، ماكس فريش، توماس بيرنهارد… فيوجه إليهم تحية مكتوبة وتحية بيده من وراء السنين والصراعات، معلناً عن وعدٍ بالانبعاث.

كتابٌ أخّاذ

هذا كتاب آخر من كتب إلياس كانيتي يؤكد نيكولا وايل أنه أخّاذ وساحر. أفكاره لن تغادر ذهن القارئ. نثر من أجمل ما كتبه صاحب جائزة نوبل للآداب. فسخريته الموروثة من أحد أعظم الأساتذة: كارل كراوس (1874-1936)، فالوجوه التي تومئ، سواء كانت واقعية أو متخيلة، يعجّ بها الكتاب، ترفع الكتاب من مستوى الضحك إلى مستوى يمكن مقارنته بـ”رابلي” في الأدب الألماني. كل ذلك يتوقع صاحب المقال، سيلج أعماق وجود القارئ، بل ويتسرّب إلى أحلامه. ويعود سحر هذا النوع من الكتابة التي تستثمر أفكار العديد من الحقول. وبذلك يمكن التساؤل: هل يمكن أن نسمي كانيتي روائياً فقط؟ أم هو بالأحرى أثنوغرافي أو فيلسوف؟ إنه يعلن عن نفسه في كل هذه الحقول منذ ظهور كتابه “حشود وقوة” سنة 1960، (عن دار نشر غاليمار سنة 1966) حين رسم لوحة سوداء عن العلاقات الحميمية التي تربط السلطة بالموت، ذهب العديد من الدارسين إلى مقارنته بكتاب هيغل “فينومينولوجيا العقل”. أما في الأجزاء الخمسة لسيرته الذاتية فإنه يظهر في درجة مؤلّفي المذكرات واليوميات الكبار. كل ذلك لا يكفي من أجل تصنيفه، بل يجب إضافة أنه شاعر وكاتب مسرحي. وبذلك فهو أحد العقول الكبيرة في القرن العشرين، ويساريٌّ من الطراز الرفيع، فبدون تعب ولا كلل لاحظ ووثّق الاحتجاجات، منذ ثورات العمالية في العشرينيات، في النمسا، حتى حرب الخليج الأولى والحروب التي دمّرت يوغوسلافيا سابقاً، سنة 1990.

عن موقع “ضفّة ثالثة”