مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
  • Home
  • قراءات
  • إعادة صياغة التاريخ في رواية “غبار 1918”
أبريل 30, 2019

إعادة صياغة التاريخ في رواية “غبار 1918” ميرنا الشويري

By 0 218 Views

هناك علاقة و ثيقة بين التاريخ و كتابة الرواية و لقد كتب القدماء التاريخ كرواية و أهمهم هيرودتس ، والد التاريخ اليوناني . يحتشد الادب بنماذج عديدة من الروايات التاريخية : الخيالية ، الكوميدية ، …و لقد اختارت الروائية د فاتن المر في روايتها غبار 1918 السرد التاريخي الذي يمزج شخصيات واقعية كجمال باشا و الامير فيصل و يوسف العظمة بشخصيات خيالية . و في هذه الرواية ، لا تكتفي المر بسرد فترة تاريخية أسدلت عليها ستائر النسيان بل بطريقة غير مباشرة تطرح بعض الأسئلة الجوهرية عن تلك الحقبة و التي تعري أدوات الاستعمار و نستشف من روايتها بعض الادوات التي تفككه و من أهم الاسئلة التي تثيرها هذه الرواية :

أولا”، لماذا التكتم عن ما حصل في هذه المرحلة ؟ تلمّح الروائية ببعض الاجابات فتقول على لسان الولد أشود : “لقد فعلوا اشياء لامي ….. اغتصبها الجنود .” (88) و في هذا السياق ، يؤكد الأب سليم دكاش، رئيس جامعة القديس يوسف ، أن التكتم في هذه الفترة يعود الى الأحداث المهينة للعائلات . زد على ذلك بأن من جوع الناس هم الاتراك و بالتالي هذا يحيي الانقسامات الطائفية في لبنان. ربما لذلك تحاول المر في هذه الرواية أن تكون صوت من لا صوت لهم في التاريخ، أي الصوت الذي طمره المؤرخين ليصونوا كرامة العائلات. و لكن ألا يعتبر طمر الحقائق تشويها” للتاريخ؟

ثانيا”، ما هي أدوات الاستعمار؟ تزيل هذه الرواية القناع عن ادوات الاستعمار فتروي المر كيف طمر المستعمر الهوية الوطنية عندما فرض على الطلاب التكلم باللغة العثمانية و دراسة النشيد العثماني و تاريخ الدولة . و الأداة الثانية هي زرع بذور التفرقة فتقول : ” يزرع المحتل بذور التفرقة قبل ان يرحل كي يبقي له خيوطا مع فئة من الشعوب المحتلة.” (30) و هذه الأداة تستعملها الدول الامبريالية اليوم لصيانة سلطتها بأقل خسائر ممكنة لجنودها و هكذا تكشف المر أهمية مراجعة التاريخ.

ثالثا”، كيف يستعمل الدين لتبرير الاستعمار؟ تقول الروائية : ” هكذا تتسكع في ظل الله كل الحروب ، حتى تلك التي لم تبدأ باسمه.” (88) و هذا يذكرنا بالاستعمار البريطاني للهند اذ فرض الانكليز على الهنود اعتناق الدين المسيحي. اذن لا فرق بين الاستعمار العثماني ” الاسلامي” و الآخر الانكليزي “المسيحي “. و هذا ما تقوله المر عن الانتداب الفرنسي و الانكليزي على لسان ماري : ” كيف استطاعوا أن يخدعونا ؟ كيف فرحنا و هللنا و لم نر أيا من الاعيبهم؟” ( 112) .

رابعا”، لماذا يشوه المستعمر التاريخ؟ يعكس تاريخ أي أمة حضارتها، لذلك عندما يشوه المستعمر التاريخ فأنه يصّور الدول المحتلة بلا جذور و بالتالي همجية. فيقول أحد أبطال الرواية : ” يومها انقسم العالم في ذهني الى أتراك أشرار و أناس مظلومين. يومها لم أكن اعرف شيئا عن تزوير التاريخ و عن رأي عام تسيره قيادات ربطت حول عنقه حبال الطائفية تشده بها الى حيث تشاء و تجزم أن هذه هي الحقيقة. بعدها، عين عرفت، غدت تلك القصص ثمينة، أحتفظت بها في ذاكرتي ثم نتقلتها في كتبي.” 85

لا تكتفي الروائية بتعرية أدوات الاستعمار و لكنها تعرض في روايتها الكثير من الادوات لتفكيكها فتؤكد اودري لوردي احدى أهم المنظرين للتيار الكولونيالي ان “العبد” لا يستطيع ان يتحرر باستعماله ادوات “السيد ” ولذلك ابتكرت الشعوب المحتلة أدوات جديدة . و من أهم الادوات التي تعرضها المر هو اعادة كتابة التاريخ و الدافع و راء ذلك هو أن المستعمر يفتش عن هويته الحقيقة في التاريخ ، لذلك يسرد يوحنا أحد ابطال الرواية تاريخ و طنه بعدة اصوات : ماري و العم أنيس.. و هكذا تكشف المر غياب الموضوعية في السرد التاريخي الذي صنعه صوت واحد: المحتل . اما الأداة الثانية فهي الوحدة بين الطوائف و الاثنيات المختلفة في الوطن ، و الرواية تعكس الكثير من المواقف التي وحدت الارمن و البنانيين . و لقد ذكرت الروائية بعض الكتاب المحليين في تلك الفترة مثلا توفيق يوسف عواد و جبران خليل جبران، لان الأدب المحلي مرآة للهوية الوطنية . و في هذا السياق، يقول إدوار سعيد بأن الغرب يختصر المجتمعات الشرقية بعنصر واحد لتصوير الشرق بأنه لا يملك ثقافة، وهو يخبر كيف أن صحافياً دانمركياً يعتذر منه لأنه لم يقرأ القرآن قبل أن يقابله ليتعرف على ثقافته فيجاوبه سعيد: “وهل تختصر ثقافتي بعنصر واحد وهو الدين؟ وهل الغرب يُختصر فقط بالمسيحية؟ بل كان الأجدر بك أن تقرأ أدبنا”.(سعيد، 34)

باختصار هذه الرواية تعكس الكثير من سمات الأدب القومي الذي يصوغ و جدان الامة ليصبح صوت من لا صوت لهم في التاريخ كالفقراء و الشهداء و المقاومين . و مع أن الروائية تروي فترة محددة من الاستعمار الا أنها تكشف للقارىء أن كل دول الاحتلال تلجأ الى الأدوات ذاتها و بان لأن الاستعمار كما يقول “آيمي سيزار” Aime Cezaire لا يشوه فقط المستعمَر بل يشوه انسانية المحتل.

مراجع
Achebe, Chinua, Home and Exile, New York, Anchor Books, 2001.

Lorde, A. (1981). The uses of anger. Women’s Studies Quarterly, 9 (3), 7-10.
_____ . (1984). The uses of anger: Women responding to racism. In sister outsider: Essays and speeches. The Crossing Press Feminist Series, 124-133.
Said, Edward. Covering Islam. New York: Vintage Books, 1997.
المر، فاتن. غبار 1918