الرئيسية / قراءات / أورهان باموك: الروائي الساذج والحساس طارق أبي سمرا

أورهان باموك: الروائي الساذج والحساس طارق أبي سمرا

بعد حوالي أربعين صفحة، أحجمتُ عن قراءة النسخة العربية من كتاب أورهان باموك “الروائي الساذج والحساس” الصادرة أخيراً عن “منشورات الجمل”، واستعضتُ عنها بأخرى فرنسية سبق لي أن قرأتها منذ ثلاث سنوات. فالترجمة العربية، بكل بساطة، عصيّة على الفهم. إذ من بمقدوره أن يفكّ ألغاز الجملة التالية وكثير من مثيلاتها: “الشاعر الساذج لا يشك بأن كلماته، تعبيره وأبيات قصيدته قد صوّرت المشهد العام، وبأنها سوف تمثله، وبأنها وصفت وكشفت الجملة للعالم بشكل دقيق وتام – منذ أن أصبح المعنى ليس مخفياً ولا حتى بعيداً عنه”؟ (ص 21)

رداءة الترجمة أمر مؤسف، فكِتاب التركي الحائز نوبل للآداب العام 2006، ممتع جداً، لا سيما لمحبّي التأملات في فن الرواية، كتلك التي برع فيها ميلان كونديرا مثلاً. العمل عبارة عن ست محاضرات ألقاها باموك بالإنكليزية في جامعة “هارفارد” العام 2009 ، تطرق فيها إلى تجربته كروائي، محاولاً بيان العمليات التي يقوم بها عقل كلّ من كاتب الروايات وقارئها، ومستخلصاً تصوّراً خاصاً لماهية هذا النوع الأدبي.

يعتبر باموك أن عدداً من القرّاء لا يَعُونَ العمليات المعقدة التي تقوم بها أذهانهم لدى قراءة الروايات. هم كسائق سيارة صارت أفعاله ميكانيكية لا إرادية، لا يلحظون كل ما يتطلبه الانغماس في رواية: تَخيُّل التفاصيل الصغيرة، تخزينها في الذاكرة وربطها بعضاً ببعض لصياغة مشهد عام هو عالم الرواية؛ تحويل الكلمات إلى صُوَر بصرية؛ متابعة الحبكة وأفكار الشخصيات؛ محاولة تحديد ما هو حقيقي وما هو مُختلق في الرواية عبر مقارنة مستمرة بين هذه الأخيرة والواقع؛ السعي لإكتشاف ما الذي يُوحِّد كل عناصر الرواية، أي ما يُسميه باموك “محور الرواية” أو معناها الخَفي والغامض.

المقارنة مع سائق السيارة تنطبق أيضاً على الروائيين، إذ يكتب بعضهم بعفوية تامة ومن دون أي إدراك للأساليب التي تقودهم، معتقدين أن كلماتهم تُصّوِّر العالم الخارجي بإخلاص وتَكشف معناه مباشرةً. بالإستناد إلى تمييز وضعه الكاتب الألماني فردريش شيلر، بين الشاعر الساذج والشاعر الحساس، يستخدم باموك عبارة “ساذج” لوصف هذا الصنف من الروائيين والقراء الذين لا يشغلون أنفسهم في الجوانب “المصطنعة”، الفنية أو التقنية، للرواية. أما الروائيون والقرّاء “الحساسون” (أي المتأملون أو المُتفكرون)، فهم الذين يولون اهتماماً بالغاً لصناعة النص وحرفيته وعجزه عن بلوغ الواقع أوعكسه بأمانة. فخلافاً لنقيضه الساذج، الروائي الحساس دائم الشك في كتابته: يخطط مسبقاً وبهوس، ينتقي أساليبه وتقنياته بعناية فائقة ونادرا ما يرضى بالنتيجة التي يتوصل إليها.

الروائي المثالي، وفقاً لباموك، ساذج وحساس في الوقت عينه أو بالتناوب. يَتوه كلياً في عالمه الخيالي، فيحسبه أكثر واقعية من الواقع نفسه، لكنه يعود ويتأمل هذا العالم من بعيد وببرودة عقلانية. كطفل يلهو، مبتكراً دنيا وهمية حيث يتحول لاعب كرة قدم من أصحاب الشهرة، يتماهى الروائي تماماً مع شخصياته، يضيع فيها وينسى ذاته؛ إلا أنه، كمعماري يضع تصميماً لبناء ضخم، لا ينفك، في إحدى زوايا عقله، يقيّم الرواية ككل، مقدراً كيف سيقرأها القارئ، فيلتفت إلى أدقّ التفاصيل وترابط بعضها ببعض ويتمحص في البنية الروائية الشاملة ومدى تناسقها.

بحسب باموك، يلعب التداخل هذا بين الوضعيتين الساذجة والحساسة دوراً محورياً في عملية القراءة أيضاً. فإحدى أهم المُتع التي يستمدها القارئ من الروايات، مصدرها الإلتباس بين الواقع والخيال. إذ حتى لو بلغت درجة سذاجة القارئ حدّ اعتباره كل رواية مجرد سرد لأحداث واقعية، فلا بد أن يعي في خلفية ذهنه، ولو بشكل مبهم، أن ما يقرأه من نسج الخيال. وفي المقابل، مهما كان هذا القارئ حساساً، لا يفارقة يقين “اصطناعية” الرواية وبُعدها عن الواقع، فلا مهرب له من الخلط، أحياناً، بين شخصيات الرواية وكاتبها. قد تكون صحيحة تصريحات الروائيين التي يكررون فيها أن شخصياتهم ليست سوى كائنات مُبتكرة لا تمت إليهم بأي صلة. ومع ذلك هم لا يستطيعون الحؤول دون وقوع هذا اللغط. فجزء كبير من لذة القارئ مكمنها هذا اللغط إياه. أي امحاء الحدود، في داخل عالم الرواية، بين ما هو مُختلق وما هو حقيقي.

أحد أسباب الإلتباس بين الواقع والخيال، بين الشخصيات المُختلقة والكاتب، هو أن الروائي، بطريقة ما، لا يتحدث في كتبه سوى عن نفسه. لا يقصد باموك في هذا أن الشخصيات الروائية تمثل الكاتب، بل أن الأخير يعتمد في عمله على تفاصيل وأحداث صغيرة لا تحصى، اختبرها وراقبها في حياته اليومية. بمعنى آخر، يقول باموك إن العناصر الأولية المُكوِّنة لكل رواية هي “تَجارب حسيّة” بسيطة يستمدها الكاتب من حياته، فيُعيد ترتيبها على نحو جديد لينسج منها عالماً روائياً فريداً، قد يختلف في بعض الأحيان تماماً عن عالمه الخاص. فمن أين للروائي أن يأتي بوصف لأحاسيس كتلك التي يختبرها المرء لدى ارتشافه قهوته الصباحية أو صعوده الدرج أو رؤيته مشهداً طبيعياً عبر نافذة أو وقوعه في الحب أو شعوره بالغضب بسبب زحمة سير، سوى مما يعيشه بنفسه كل يوم؟ وكيف للقارئ أن يفهم أو يُترجِم هذه الأحاسيس، إلا عبر مقارنتها، من دون أن يعي ذلك على الأرجح، في تجاربه الحسية الخاصة المماثلة؟

ما يوحّد كل هذه التجارب الحسية ويمنع تَشتتها هي الشخصيات الروائية: “قراءة الرواية تعني رؤية العالم عبر عيون وعقول وأرواح الشخصيات” (ص 53). على الرغم من قوله هذا، ينتقد باموك وجهة النظرة الشائعة التي تَنسُب دوراً بالغ الأهمية إلى الشخصيات في كتابة الرواية، وتصل أحياناُ إلى حد اعتبار خلق الشخصيات هدف الرواية الأساس. يستند في نقده هذا على فكرة أن غاية الفن الروائي الرئيسية وصف الحياة وتجربة وجودنا على هذه الأرض بأكثر دقة ممكنة، ويضيف أن ما يُسمى “الشخصية” ليس، في الحياة الواقعية اليومية، أمراً جلياً محدداً وساطعاً مثلما تُظهرة لنا الرويات، كما أن دوره في تحديد مصيرنا ليس بتاتاً بالأهمية القصوى التي يوليها له هذا الصنف من الأدب. ليست الشخصية الروائية إذاً تمثيلاً دقيقاً أو أميناً لأمر قد نجده في الحياة. هي تركيب اصطناعي له وظيفة محددة: السماح للقارئ والكاتب بولوج عالم الرواية، واختبار كل التجارب الحسية التي يتشكل منها هذا الأخير من منظور الشخصية تحديداً وعبر التماهي معها. فما يميز الرواية الحديثة عن أنواع الأدب السردي الأخرى كالملحمة أو رويات الفروسية مثلاً، هي إمكانية مراقبة عالم خيالي من داخله لا من خارجه.

مستنداً على تجربته الخاصة التي يعممها لاحقاً على غيره، يقول باموك أن العملية الإبداعية لدى الروائي لا تنطلق من تخيُّل أو ابتكار شخصيات معينة، بل من رغبة ملحة في طرح بعض التساؤلات حول الوجود. ذلك لا يعني بتاتاً أن الكاتب يعبّر عن هذه الأسئلة مباشرة في نصه، بل أن مُجمل الرواية مرآة لنظرته إلى العالم وانعكاس لحدس عميق لديه يتعلّق بالحياة. حدس قد لا يعيه الروائي بوضوح حتى بعد انتهائه من الكتابة، لكنه العامل الموحِّد لكل عناصر الرواية، وهو تحديداً ما يبحث عنه قارئ الروايات. هذا ما يُطلق عليه باموك إسم “محور الرواية” أو معناها السري، أي تصور خاص لماهية الحياة، مَخفيٌّ تحت سطح النص، ويَدل عليه، بشكل غامض، كل عنصر من عناصر الرواية. ببساطة، ما يطرحه باموك هو أننا نكتب ونقرأ الروايات لا لنرفه عن أنفسنا فحسب، بل لمحاولة العثور على معنى لحياتنا. لكن، وعلى عكس الدين والفلسفة، يبقى المعنى الذي قد تقدمه الرواية مُبهماً متحركاً يحمل تأويلات كثيرة.

(*) أورهان باموك. “الروائي الساذج والحساس”. منشورات الجمل،2015. ترجمة ميادة الخليل. 176 صفحة.
عن صحيفة المدن

شاهد أيضاً

“بوركيني” لمايا الحاج.. عن الرمز العار في كلية الفنون محمد حمدان

مايا الحاج هي كاتبة وناقدة لبنانية تكتب بشكل دوري في صحيفة الحياة اللبنانية. وهذه هي …

8 تعليقات

  1. We have three dogs, not to mention two cats.

  2. I hate people who do things behind my back. He did it behind my back again.
    [url=http://mbdou18.edummr.ru/?attachment_id=132]http://mbdou18.edummr.ru/?attachment_id=132[/url] or http://www.spaziorock.it/forum/viewtopic.php?f=255&t=4360&p=109293 ok

  3. He was sick for a month, but now he is up and around.

  4. His boss mentioned a job in Europe, and Peter jumped at the opportunity.

  5. I’m flattered. But the best thanks you can give is to no longer use the word retarded and confront your friends when they use it.

  6. This looks super delicious! Yum. I love the toppings and it looks perfectly golden.

  7. Do yοu mind if I quote a couple οf your articles ɑs long
    ɑs I provide credit аnd sources back to your site? My website is in the exact sаme niche aѕ yours and my uusers
    woսld reaⅼly benefit frοm a lߋt ᧐f the information you presеnt here.
    Plewase let me know if thiѕ ⲟk ԝith yoս. Τhank yoս!