مايو 24, 2019
  • مايو 24, 2019
  • Home
  • حوارات
  • أورهان باموق: أنا “مولود” يتمشّى وحيداً في منتصف الليل
سبتمبر 23, 2017

أورهان باموق: أنا “مولود” يتمشّى وحيداً في منتصف الليل فريديريك روسيل/ ترجمة نجيب مبارك

By 0 220 Views

يقضي الكاتب التركي أورهان باموق الصيفَ في جزيرة بويوكادا، كبرى جزر الأميرات الواقعة قبالة ساحل إسطنبول. يشتغل في شرفة منزله المقوّسة على روايته الجديدة، يُسوّد مفكّرات ضخمة ذات مربّعات صغيرة. بجواره، على الطاولة، كتابٌ باللّغة التركية، على غلافه صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لبائع متجوّل. هذه الرواية بالذّات، المنشورة عام 2014 في تركيا، وتصدر هذا الشهر في فرنسا، هي كتابٌ مثير للإعجاب بعنوانه المدغدغ والخطير “غرابة في عقلي”. حين تحدّث لنا باموق عنه، في بداية يوليوز/تمّوز الماضي، كان يشير إليه دائماً ب”مولود”، وهو اسمُ بطل الرواية. ذلك لأنّ هذه الأخيرة تحكي قصّة “مولود”، منذ مغادرته قريته الصغيرة في الأناضول عام 1969 إلى يومنا هذا، قادماً إلى عالم آخر جديد ومختلف تماماً: مدينة إسطنبول التي سيصير فيها بائعاً لشراب البوظة، وهو نوعٌ من اللبن الممزوج بالكحول يُباع بالتقسيط. إنّها رواية طويلة ومكثّفة تغطّي الأربعينَ سنة الأخيرة من تاريخ إسطنبول، وترصد تطوّرها الحضري، السياسي والاقتصادي. لم يتوقّف صاحب نوبل للآداب سنة 2006، وأستاذ جامعة كولومبيا ونيويورك، يوماً عن وصف هذه المدينة، مدينته الأبدية، والتّعريف بها في أعماله، كما في روايته “إسطنبول”، وهي رواية أوتوبيوغرافية ونشيدٌ شعري أيضاً، أصدرتها دار “غاليمار” في طبعة فنّية منقّحة.

شخصية “مولود” لها تلك الميزات الخاصة بالشّخصيات المؤثّرة في الآداب. بائعُ البوظة الفقير الذي لن يحقّق ثروة أولئك الّذين عرفوا كيف يستفيدون من التوسّع المهول للعقار والتجارة في مدينة إسطنبول، ومع ذلك كان يتمتّع بروحٍ مرحة وشاطرة. إنّها حياةٌ تمرّ تحت أعيننا، كما لو أنّها بحجم عالَم شاسع. أورهان باموق شخصٌ يحبُّ الضّحك، ولم يقُم سوى بنقل هذا العالم كتابةً. كان لنا معه هذا اللقاء في جزيرة بويوكادا:

*كيف وُلدت شخصية “مولود”؟

في البداية كنتُ أرغب في كتابة روايةٍ قصيرة عن بائع بوظة. أقول لنفسي دائماً على سبيل النكتة: لا تنسَ أبداً أنّ جيمس جويس بدأ “عوليس” على شكلِ قصة قصيرة. كنتُ مهتمّاً بالبوظة، بالكحول، بحاويات البوظة، بالعلاقة بين الكحول والتقاليد، وهي علاقةٌ متناقضة لكون الكحول تتعارض مع الإسلام أو مع التقاليد التركية، حسبَ وجهة النظر. كنتُ أريد خلقَ شخصية ناجحةً في التجارة ومثيرةً لغيرة الآخرين، ثمّ العودة بها إلى أصولها، إلخ. هذا الإطار المجازي في البداية سرعان ما تحوّل إلى رواية بانورامية وملحمية. حسب بعض الكتّاب، مثل إي. إم. فوستر، تأخذ الشّخصيات أحياناً زمام السلطة. أنا لا أحبّ هذه الفكرة. الشكل هو الّذي يفرض نفسه أحيانا، أو أيّ شيء آخر ينبع من الذات… روايتي التّالية، “المرأة ذات الشّعر الأحمر”، التي صدرت قبل أربعة أشهر في تركيا، هي رواية فلسفية، مجازية وقصيرة. لكنّ رواية “مولود” تطلّبت منّي فضاءً أوسع، وواقعية أكبر، وتفاصيلَ دقيقة حول الأواني الخزفية الّتي تحتوي اللّبن، والأواني الزجاجية، ثمّ تلك التي من كرتون، وكيفية نقلها…وهذا ما أسمّيه “الحكاية الصّغرى”.

*ألَم تذهب أبعد من هذه “الحكاية الصغرى”؟

هذه هي معضلةُ الرواية الملحمية. هل كان على تولستوي أن يكون فخوراً بتصوير بانوراما واسعة ومفصّلة أم فخوراً بالشّعر الذي ينبثق منها؟ في الرواية البانورامية، يتواجد الشّعر في الشخصيات. بينما في كتابٍ “بورخيسيّ” قصير أو رواية مجازية، هو شيء مختلف تماماً. في البانورامية، تتفوّق الشخصيات، بتعدّدها واختلافاتها. ثمّ، فيما بعد، الّذي يهمُّ هو قوّةُ عرض الحكاية. نعم، تسعى هذه الرواية أن تكون حكايةً شاملة. أردتُ فيها أن أحقّق خطّة تولستوي، أي الدقّة البانورامية، إعادة رسم تطوّر إسطنبول في الأربعين سنة الأخيرة، وأيضا الشخصيات، الشّعر والأداء الدّاخلي للأفراد…

*هل من الصّعب اتّخاذ وجهة نظر بائع متجول؟

تتحدّث هذه الرواية عن المحرومين، الّذين ليسوا علمانيين أو متأثّرين بالغرب مثلي. كيف يتمّ تحضير البوظة؟ كيف يتمّ إعداد الدّجاج بالأرز؟ من أين تُشترى هذه الأشياء؟ كيف جاء البطل من قريته إلى إسطنبول عام 1969 وبنى منزلاً مع عمّه وأبيه؟ لقد جمعتُ الكثير من العناصر واستجوبت بائعي بوظة وبائعي دجاج متجولين، بل حتّى مراقبي العدّادات الكهربائية… ذهبت إلى منطقة الأناضول الوسطى، الّتي ينحدر منها بائعو اللبن. كانت فرحتي لا توصف وأنا أقوم بذلك. خلال العشر سنوات الأخيرة، تجمّع لديّ “بنك” من المقابلات، وهو يصلح أيضاً لمشاريع كتب أخرى. جمعتُ أيضاً شهادات من سائقي تاكسيات إسطنبول. أحملها معي في حقيبتي حين أسافر إلى الولايات المتحدة لأنّني لا أحبّ الصيغة الرقمية.




*لماذا وظّفتَ أحياناً شكلاً بوليفونياً بالنسبة للأحاديث الجانبية لأقارب “مولود”؟

هذه أولى رواياتي “الديكنزية”، بمعنى أن يكتب كاتبٌ ينتمي إلى الطبقة الوسطى عن الطبقة المحرومة في مدينة كبرى. لكنّي أكره ميلودراما ديكنز وحاولتُ تفاديها بالسخرية. حاولتُ كتابتها كما لو أنّي أعيش في سنوات 1850- 1860، بناءً على النّموذج الديكنزي أو على غرار رواية فلوبير “قلبٌ بسيط”، حيث الكاتب مجرّد خادم. لكن مع كلّ ذلك الركام من المقابلات، لم أتمكّن من السير على نهج “قلب بسيط” أو محاكاة ديكنز. هل السبب أنّني من جيل ما بعد- فولكنر، وبالتّالي ماذا سأفعل بضمير المتكلّم المفرد؟ لقد دفعتُ به نحو ابتكار شكلٍ جديد. لا أحد سوى “مولود” الّذي لا يقول أبداً “أنا”. في منتصفِ السنة الثالثة من إنجاز الكتاب، الّذي تطلّب منّي ستّ سنوات من العمل، قرّرتُ أن أُزاوج بين ضمير المتكلم المفرد وضمير الغائب، ونجحَ الأمر. لم يكن ذلك تجريباً نظرياً وإنّما ضرورة. المقابلات الّتي أجريتُ تكشف الكثير من الحيوية، والحكمة اللّغوية والفكاهية! فكرتُ أيضاً أنّه إذا كان ضمير الغائب يسمح بكتابة “مولود قال كذا”، “مولود فعل كذا”…فهذا سيضخُّ طاقةً في الرواية. لا تنسَ أنّه عليك جذبَ انتباه القارئ عبر حوالي 700 صفحة…

*خلال ثلاث سنوات، كان “مولود” يبعث رسائل حب إلى سميحة، لكن رابحة هي من كانت تتسلّمها. هل كنتَ تريد قول شيءٍ عن الحب؟

حين تقول كلمة “حب”، فإنّ من يعبر عنّي أكثرَ هو الأنتروبولوجي وليس الشاعر. “مولود” ينحدر من منطقة مُسلمة حيث الرجال لا يمكنهم مقابلة الفتيات قبل الزواج، دون التحدّث طبعاً عن الجنس. الفرصةُ الوحيدة للقاءِ فتاة هي حفلُ زواج ابن عمّها. وكتابة الرسائل كانت وسيلة لإثباتِ إصرار العاشق. في طفولتي، كنّا نعثر على كتب لتعليم صياغة رسائل الحب، تتضمّن مختارات منها. أنا اقتبستُ بعضاً من كليشيهات قصائد الحب العثماني في رسائل مولود: “نظرةُ عينيك تصعقُني…”. لكن، في النهاية، إنّه لأمر محزن أن يكتب العثمانيون رسائلَ إلى نساء لم يسبق لهم رؤيتهنّ على الإطلاق. حين يُقمع الحب بشدّة، فإنّ ما يحدث هو التّسامي.

*أنت ترصد أيضاً تاريخ التيارات السياسية في إسطنبول…

كان ل”مولود” أصدقاء مناضلون من اليسار، ومعظمهم غاضبٌ وضدّ الحكومة طوال الوقت. وبنفس القدر، كان لديه أبناءُ عمومة من اليمين المتطرّف، قوميون. هذا سمح لي بمرافقته إلى الأحياء الفقيرة الماركسية وأيضاً إلى تلك المحسوبة على اليمين. وعلى منوال رواية “الأحمر والأسود”، الّتي تعمّدَت تنشئةَ “جوليان سوريل” في مختلف دوائر المجتمع، تكشفُ روايتي عن تيّارات متعارضة من أجل تشكيلِ هذه البانوراما. لكنّ الكتاب ليس سياسياً. لقد عالجتُ الإسلام السياسي في رواية “ثلج” (2002). لماذا تجنح الطبقات المحرومة نحو القومية؟ لماذا يتحكّم المحافظون والإسلاميون في المهاجرين الفقراء بشكلٍ أفضل من الديمقراطيين العلمانيين؟ ربّما قيلت أشياء من هذا القبيل سابقاً…”مولود” يشعر بالغرابة، وهي التي منحَت العنوان للكتاب. ما مصدر هذه الغرابة؟ لقد تقمّصتُ شخصية “مولود”. أنا هو “مولود” حين يتمشّى وحيداً في منتصف الليل عبر الشوارع المظلمة، مع الكلاب التي تبعث في نفسه الخوف، وظلال أوراق الشجر، ثمّة نوع من الغموض يلفُّ مخيّلته الرّومانسية. كان في ذهني عنوان الكتاب، “غرابة في عقلي”، منذ البداية. خلال سنوات مراهقتي وخدمتي العسكرية، كان أصدقائي يقولون لي: “أورهان، لديك روحٌ غريبة”. حين صادفتُ نفس الشيء في شعرِ ويليام وردزوورث، “ذلك “الإحساس بالغرابة”، قرّرتُ أن أكتب يوماً ما رواية بهذا العنوان: “غرابة في عقلي”. في تلك الفترة، لم أكن أعرف شيئاً عن “مولود”. أحياناً، نكتب رواية ثمّ يأتي العنوان فيما بعد بتشاور مع الناشر، وأحياناً أخرى لا يكون لدينا سوى العنوان. في لحظة من حياتي رغبتُ في الحصول على كلّ هذه المادة السوسيولوجية، البانورامية، وأن أترك علامتي. قلتُ: “مولود هو أنا”. العنوان هو وسيلة أيضاً لامتلاكِ الكِتاب.

*أليس غريباً أن يمتلك بائعٌ متجول مثل هذا الإحساس بالغرابة؟

فنُّ الرواية، حين يولي اهتماماً للضعفاء والتفاصيل الإنسانية الصغيرة، يركّز دائماً على شخصيات الطبقة الوسطى والأرستقراطية. بينما شخصيات الطبقات المحرومة تبقى في خلفية المشهد، لا نمنحها سوى التّعاطف والشفقة. أحداث الرواية لا تعاملهم مثل الشخصيات ثلاثية الأبعاد والمعقّدة. لقد جرت العادة أن تكون دائماً هناك حاجة على وسيط، وهذا الوسيط يكون في أغلب الأحوال صحافياً. كنتُ أتحدّثُ يوماً مع ناشرٍ إنكليزي، هو “فيبر”، فطلب منّي: “أورهان، هل سيتضمن الكتاب مثقفاً واحداً على الأقلّ؟” أجبتُ لا، لن تكون هناك شخصية وسيطة، أو صحافي يترجم التّجربة ويجعلها أسهلَ في التّواصل.

*من أين جاء هذا الاهتمام الذي توليه للشخصيات؟

هذا تعلّمتهُ من تولستوي: حين تكون شخصيةٌ ما سيّئة جدّاً، اِجعلها أفضلَ بعض الشيء. وحين تكون شخصية ما طيّبة جدّاً، اِجعلها سيّئةً قليلاً. الروائي الجيّد يمتاز بقدرته على تقمّص شخصيات لا تُشبهه على الإطلاق، شخصياتٌ سيّئة جداً، غبيّة جداً، أو غير مقبولة جداً بالنسبة إليه. كان التحدّي في رواية “ثلج” أن أكتب عن شخصية أصولية، هي “لازولي”. لم أرغب في تصويره مثل كاريكاتير للشّيطان ولكن مثلَ أصوليٍّ مثاليّ. عندها سيكون من السهل عليك القيام باستجوابه وإصباغ الإنسانية عليه. لكن هل من المقبول إصباغُ الإنسانية على أصوليٍّ؟

*من هم الروائيون الآخرون الذين تعلّمت منهم؟

الروائيون العِظام بالنسبة إليّ هم تولستوي، دوستويفسكي، توماس مان وبروست. تعلّمتُ أشياء كثيرة منهم. تعلّمتُ من دوستويفسكي أنّ الإنسان يمكنه أن يؤمن بصدقٍ بأشياء متناقضة في نفس الوقت، وأنّه قد تمَّ تكوينه بهذه الطريقة. لكي تصير كاتباً، شخصاً متورّطاً في قضايا الإنسانية، هذه هي الخطوة الأولى.

*هل عرفَت الرواية نجاحاً في تركيا؟

“مولود” من بين رواياتي الأكثر شعبية في تركيا. قبلها، كانت رواية “اسمي أحمر” (1998). ما بيع من نُسخها في عشرين شهراً فاق ما بيع من “اسمي أحمر” في عشرين عاماً. ما السبب؟ إنّه كتاب مليء ب”التّركيات”، بتفاصيل تركية. البطل “مولود” يطرأ عليه تغيير. في البداية، يبدو سعيداً، متفائلاً بالنّسبة للمستقبل. لكن في النهاية، لن يكون غاضباً، لا. لكنّه يشعرُ مثلي بأنّ عالمه انتهى، وانتهت معه الذّكريات. المدينة التي بناها بحماسٍ كبير سوف يراها تتفكّك أمامه.

*لماذا اخترت شخصيات نسائية شجاعة؟

حين عُرضت الرواية في المكتبات، قُمت بجولات ترويجية في البلاد. كثير من الناس قالوا إنّهم أُعجبوا بالشخصيات النسائية، ووافقتُهم الرأي: “بعد خمسين عاماً، بدأتُ أتحوّل شيئاً فشيئاً إلى مناصرٍ للنسويّة، وأريد الاستمرار في ذلك ما دام أيُّ رجل يرغب في مناصرة النسوية لا يعني شيئاً تناقضاً في تركيا”. فضحك الجميع. وصفقّت النساء اللواتي كنّ جالسات في الصفوف الأولى…

*هؤلاء النسوة شجاعات، لكن يمُتن مع ذلك…؟

في رواياتي الأولى، كان لا مناصّ من النّظر إلى النساء كضَحايا. لا يعبّرن عما يشعرن به داخلياً، أي الغضب. انتبهتُ إلى الأمر مع التقدّم في العمر. صرتُ أحبُّ أكثرَ فأكثر الكتابة عن الشخصيات النسائية، عن روحِ السّخرية والفكاهة لديهنّ مقارنةً بالخطابات المنمّقة للرجال. كان لأمّي أُختان، واحدة أصغر منها، وأخرى أكبر سنّاً، وحين كنتُ طفلاً كنت أشاهدهنّ يثرثرن ويتحدّثن عن أزواجهنّ. رابحة وفتيحة وسميحة هنّ مثلَ أمّي وخالتيَّ، يدردشن معاً، يُخفين أسراراً عن الرجال، وتساعدُ كلّ واحدة منهنّ الأخرى.

*على هذا الأساس، نسويتك تقدّمية…

سأستمتعُ يوماً ما بكتابة روايةٍ يكونُ الراوي فيها امرأة. سأقومُ بذلك قبل أن أموت!

*ما هو إيقاع الكتابة لديك؟

أكتبُ طوال النهار. أحبُّ أن أعيش في الخيال. بعض الكتّاب يشتكون من معاناةٍ في الكتابة. أنا حين أكتبُ أكون سعيداً. وحين لا أكتب أو أكتبُ بلا جدوى ولا أتمكّن من التوغّل بداخل عالمِ الرواية، أكونُ تعيساً جدّاً. أنا لستُ راضياً عن الحاضر. وأكونُ متفائلاً حين أكتب. أرى نفسي أحياناً مثلَ مهووسٍ بالكتابة. إيتالو كالفينو يُعرّفُ نفسه هكذا. هنا، في جزيرة بويوكادا، تستيقظُ زوجتي في السابعة والنصف صباحاً ولا تعودُ إلّا في السّادسة مساء. أظلُّ أشتغل لمدّة عشر ساعات على هذه الطاولة. كانت ابنتي هُنا قبل مجيئكم. إنّها بصددِ كتابة روايتها الأولى. لديّ أصدقاءٌ يأتونَ لمجالستي على الطّاولة المجاورة. أكونُ سعيداً برفقة شخصٍ آخر في الغرفة وأنا أكتب.

*وتكتب دائما بخطّ اليد…؟

أكتبُ بقلمِ حبر. الطريقة التي نكتب بها هي أيضاً تعبيرٌ عن الذات. أردتُ أن أكون فنّاناً، الإمساك بقلمٍ شيءٌ مُهمّ بالنسبة إليّ. حين وصلَت أجهزةُ الكومبيوتر الأولى، قلتُ مع نفسي: “هل سأظلّ أنظر في هذه الشاشة طوال حياتي أم أكتفي بورقة وقلم؟”. حينها قرّرتُ أن أستمرَّ في الكتابة باليد.

*هل ما زلت تقرأ كثيراً؟

لديّ 20.000 كتاب…لكنّي لا أقرأُ كما كنتُ في السابق. بين سنّ 17 و35 من عمري، قرأتُ من أجلِ تكوين ذاتي. أحياناً نقسو على أنفسنا لأنّنا نريدُ التغيير! الآن، أقرأُ فقط ما يهمُّ رواياتي، أقرأ لكي أكون سعيداً. أقول لابنتي: أنتِ تقرئين من أجل المستقبل، لكي تَصقلي ذاتك. في عمري الحالي، لديّ أشياء كثيرة يجب إنهاؤُها، تدوينُ ملاحظات، تأليفُ كتب، عليّ إتمامُ كلّ شيء قبل وفاتي!

*هل يمكننا التحدّث في السياسة؟

بعض الناس الّذين لم يقرؤوا كتابي يطلبون منّي التّعليق على الوضع السياسي في بلدي. أنا أُفضّل إجراء حوارٍ حول روايتي لأنّني سلختُ ستّ سنوات من عمري لكتابة “مولود”، وغالباً ما يكون أوّل سؤال يبادرني: “ما رأيكَ في أردوغان؟”. اشتكيتُ يوماً من ذلك لأمبرتو إيكو، مضيفاً أنّ الأمر ربّما يتعلّق نمطيّاً بمسألة تركيّة. فأجابني: “لا، إنّهم يطرحون عليّ دائماً أسئلة بخصوص بيرلوسكوني!”. تشتغلُ لمدّة ست سنوات، وتكتب 650 صفحة، فيأتيك أوّل سؤال كالتالي: “أردوغان؟”. لكن مع ذلك تركيا ليست هي إيطاليا. الوضعُ هنا رهيب.

*ما رأيك في الوضع إذاً؟

لا توجد حريةُ تعبير. إنّه سياقٌ سياسي استبداديّ للغاية، وللأسف الاستفتاءُ قال نعم لدستورٍ يضعُ أيّ شخص كيفما كان نوعه في منزلة ديكتاتور. لقد تمّ تجاهل ما ابتكرهُ مونتسكيو حول توزيع السلط، خصوصاً السلطة القضائية الّتي لم تعد مستقلّة. الرئيس أردوغان، أو أيّ رئيس مقبلٍ حسب هذا الدستور، سيتحكّم في السلطتين القضائية والتنفيذية على السواء. هذه لم تعد ديموقراطية. لقد طردوا 130.000 شخص، ويقبع 40.000 في السجون…نتوفّر على فضاء ديموقراطي ضيّق جداً. أتحدّث من خارج روايتي لكن صحيح أنّه من المستحيل عدم التطرّق للأمر.

*كيف ترى المستقبل؟

أنا لست متشائماً جدّاً. دعني أروي لك حكاية. أسبوعان قبلَ الاستفتاء، وصلتُ بالباخرة إلى الحيّ الآسيوي كاديكوي، فوجدتُ الساحة الرئيسية مزيّنةً عن آخرها بملصقات تدعو إلى التصويت بنعم. وكانت هناك مساحةٌ صغيرة تدعو إلى التصويت بلا. لا تنسَ أنّ أشخاصاً رافضين للدستور قد تمّ إيقافهم في الأناضول. لكن مع ذلك، في كاديكوي، صوّت 80 % من السكّان بالرفض. هذا يجعلني متفائلاً بعض الشيء.

*ما هو موضوع كتابك القادم؟

عنوانه سيكون “ليالي الطاعون”. إنه كتاب حول تفشّي الطاعون، كما في رواية ألبير كامو. لكنّه رواية تاريخية تقع أحداثها في عام 1900 خلال الفترة العثمانية. قريباً على شاشاتكم، أنا ما زلت في طورِ كتابته!

*أجرى الحوار: فريديريك روسيل، ونُشر بصحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، 25 أغسطس 2017.

المترجم: نجيب مبارك

عن موقع “ضفة ثالثة – العربي الجديد”.