سبتمبر 21, 2018
  • سبتمبر 21, 2018
نوفمبر 23, 2017

أنتَ لي وحدي منصورة قويومجي *

By heysem1@hotmail.com 0 8 Views

(الحلقة الأولى)
أخذت عبير تسترق النظر إلى إياد، وهي ترتجف من الغيظ، وتتساءل في سرّها: لماذا ؟؟ لماذا ياربي لم يكن من نصيبي؟؟ لماذا كان من نصيب هدى؟؟ ..
تنهَّدتْ بعمق وراحتْ تتأمله وهو يمسك بيده لقمة من صحنه ويقربها من فم زوجته هدى، أشاحتْ بوجهها إلى الناحية الأخرى، فرأتْ انعكاس صورتهما على زجاج واجهة المطعم، فأغمضت عينيها والحسد يأكل قلبها.. استدارتْ هدى إليها وسألتها بحنان: عبير لماذا لا تأكلين ؟؟ ابدلي وجبتك بغيرها إن لم تعجبك حبيبتي؟؟ ..
ابتسمتْ على مضض وأجابت: لا أبداً إنها لذيذة وسألتهمها كلها..
ثمّ راحت تضحك بملء شدقيها، فأثارت انتباه إياد الذي أصابته الدهشة ، رافعاً حاجبيه مستغرباً تصرفها.
بعد الانتهاء من تناول وجبة العشاء في المطعم، التي دُعيتْ إليهاهدى من قبل صديقتها عبير، خرج الجميع وتوجهوا إلى منزل العروسين، هدى وإياد.
جلستْ عبير في مقابل إياد ولفّتْ ساقاً فوق ساق، بينما راحت هدى تعدّ القهوة، وراحتْ تدردش بصوت يملؤه الغنج مع إياد، أحضرتْ هدى القهوة وبعض قطع من الكيك وهي ترحب بها مبتهجةً بحضورها.
عندما انتصف الليل استأذنتْ عبير للانصراف، فأصرّتْ هدى على أن يقوم عريسها بإيصال صديقتها، وهذا ما جعل عبير تكاد تطير من الفرح، سوف تجلس بالقرب من إياد لوحدها أخيراً.
ما إن اتخذت موضعها في السيارة، حتى طلبت من إياد أن يدير قرص الأغاني في المُسجّل، فصدح بصوتِ أليسا (عايشة حالة حب معاك)، وراحت تدندن بصوتٍ خافت لكنّه مسموع، وهي تلتفت بين الفينة والأخرى صوب إياد، الذي تجاهلها تماماً بل إنّه شعر بالإحراج وامتقع وجهه حيرةً بأمرها، ولما وصلا إلى مكان سكنها، وترجّلت من السيارة تنفّس الصعداء، ولم يمهلها حتى لتودعه، بل انطلق مسرعاً.
وقفت عبير على ناصية الطريق، قبل أن تصعد إلى المنزل، وهي تلوح له بيدها، وتقول: طيب يا إياد .. انت لي وحدي .. وسترى !!!
بعد أسبوع بالتمام والكمال، عاد إياد من عمله ليجد عبير بانتظاره مع هدى، رمقته بنظرة فتحاشاها وتوجه إلى غرفته فوراً، لحقتْ به زوجته بعد أن استأذنت من صديقتها، وأخذت تعاتبه لأنّه لم يلق السلام كما يجب، فالتفتَ إليها غاضباً وقال: أنا هذه المخلوقة لا تُعجبني ولا أرتاح لوجودها في منزلنا، ولا أرتاح لعلاقتك بها، وإذا كنت لا تستطيعين التخلي عنها، فلا تجبريني على مسايرتها.
انصدمت هدى من موقف زوجها ومن حالة الغضب التي تملّكته وهي التي لاتزال عروساً، وانصرفت بهدوء وجلست مع صديقتها والدموع تملأ عينيها، سارعتْ عبير وعانقتها وهي تحاول التخفيف عنها، ثمّ طلبتْ منها بإلحاح أن تخرجا معاً لشرب فنجاناً من القهوة خارج المنزل، رفضتْ هدى وقالت : لكنَّ إياد لم يتناول طعام الغداء بعد، ومن المؤكد أنّه متعب وبحاجةٍ إلى الراحة..ولابدّ أن أكون بجانبه..
رفعت عبير رأسها بحالة استهجان وقالت: هدى يعني أنت إمرأة تقليدية، تقومين على خدمة زوجك كالأمهات والجدات ومكانك راوح !!! وتتحملين إهاناته وانتِ لازلت عروساً، مسكينة يا هدى …
تلقفت حقيبة يدها وهمّت بالخروج، ثم التفتت إلى هدى وقالتْ: ماذا يحصل لكنَّ بعد الزواج ؟؟ تصبحنَ ذليلات للسي السيد.. (هدى أنت غير حضارية) …
دخلتْ هدى إلى المطبخ وراحت تحضّر الغداء وهي تفكّر بكلمات عبير، وتسرَّب إلى أعماقها بعضاً من الإشفاق على نفسها، لكنّ إياد قطع عليها شرودها وسألها بحنان: ( وين شارد الحلو ؟؟ بشو بتحبي ساعدك حبيبتي؟؟) … تنهَّدتْ ثمَّ أشرق وجهها بابتسامة عذبة وكأنَّ شيئاً لم يكن ………….
* * *



(الحلقة الثانية)
وقفت عبير تتأمّل نفسها عبر مرآتها وراحت تخاطبها: يا مرآتي العزيزة أنتِ ترين كم أنا جميلة، عيناي السوداوان الواسعتان كليلٍ مقمر.. أنفي المدبب الصغير .. ابتسامتي الجذّابة وأسناني كاللؤلؤ الدرّي.. وشعري الطويل الكستنائي المنسدل على أكتافي كموجةٍ عاتية.. وقدي الميّاس… كيف لم يُعجبْ إياد بي أنا؟؟ كيف أُعجبَ بهدى ذات المظهر الأقل من عادي، جمالها أقّل من متوسط.. وطولها !!! وميشتها ورأسها المدبب !! ( يخرب بيتها على هل الحظ اللي بيفلق الصخر) …
تنهّدتْ واستدارتْ لتجدَ والدتها تقف على باب غرفتها، هزتْ رأسها بامتعاض وقالت: عبير إلى ماذا ترمين؟؟ ماذا يدور في رأسك؟؟ أشتم رائحةً تُنذر بالشؤم.. لاتنسي أنتِ تتنظرين قرار المحكمة بالنسبة لحضانة ابنتك سونا، ولازلتِ عالقة بمشاكل النفقة، وورقة طلاقك من وائل لم تأتِ بعد، استهدي بالرحمن، ودعِ هدى بحالها..
اقتربتْ عبير من والدتها وضمّتها بقوة وأجابتْ: يا ست الحبايب، هذا هو بيتُ القصيد، أنتِ تعلمين أنَّ إياد من أمهر المحامين بالبلد، وسأوكّله قضيتي، هذا كلّ مافي الأمر..
قبل أن تخرج عبير من البيت، جاءها اتصالٌ من صديقتها هدى، تعتذر لها عمّا حصل في الليلة الفائتة، فاستغلّتْ عبير ذلك وقالتْ: اسمعي يا هدى لماذا لا نلتقي سوّيةً ونتحدث، أنتِ عزيزةٌ على قلبي، دعيني أراكي بمكاننا المحبب ستأتي سلمى وميس أيضاً ..اتفقنا..
كانت هدى أوّل من وصل إلى الكافيه في أبو رمانة، وما إنْ رأتْ عبير مقبلة، حتى راحتْ تنظر إليها بإمعان وكأنّها تراها للمرة الأولى، كانت عبير مشرقة وفاتنة تلفتُ أنظار من حولها بإطلالتها وحضورها، لم تستطع هدى أن تكتم شعوراً قد باغتها فجأةً، ولم تدرك ماهو، شعورٌ بالانقباض في صدرها، شعرتْ بعبير وكأنّها رياحٌ عاتية على الرغم من إعجابها بها.
اقتربتْ عبير من هدى وعانقتها، وطبعت قبلتين على وجنتيها، وكأنها من أعزِّ الناس على قلبها..ثمّ وصلت سلمى وميس وبدأتْ الصديقات الغير صدوقات بتبادل دردشاتهم المعتادة.
انتهى وقت ذلك اللقاء، فقامتْ عبير بدعوة هدى على الغداء، ولم يثنها محاولات الأخيرة بالتملص وتذرعها بالكثير من الأعباء المنزلية التي تنتظرها، وبموعد قدوم إياد إلى البيتْ، فتوجهتْ الإثنتان إلى مطعم فاخر في يعفور في سيارة هدى الحديثة، التي زادتْ من غيظ عبير وحنقها، وأثناء الطريق راحت تسدد نظراتها الحاقدة صوب هدى وتسمعها كلامها المسموم: هدى حبيبتي (اللوك) الخاص بك لا يليق بجمالك.. لو تدعيني أعيد تشكيل ملابسك بمجموعة تزيدك جمالاً وأناقة، ولا أخفيكي بأنّ زوجك يرى أشكالاً وألواناً من النساء، بحكم عمله … نصيحة لوجه الله .. قبل أن تندمي.. بعد فترةٍ من الزمن سوف يزول العسل ويبدأ الجد، فإن لم تكوني متحصّنة بما يلفتُ نظره ويشغل باله ويشعل غيرته، فلن تكون النتائج مضمونة، أنتِ تعرفين أنني أصبحتُ خبيرة بعد تجربتي مع وائل…
التفتتَ هدى إلى عبير وهي تمعن النظر فيها، ثمّ تابعت الطريق وهي ساهمة ومبحرة.. ومحتارة.
أثناء تناول الطعام لم تكف عبير عن ضرب الأمثلة لزيجاتٍ كانت مصيرها الفشل بسبب إغفال الزوجة لتفاصيل قد لا تكون على البال ولكنّها على المدى الطويل مدمّرة، فلم تجد هدى أمامها غير الإذعان لنصائح صديقتها، التي بدتْ صادقة ومتحرقة لحماية زواجها من الفشل فاستسلمتْ.
كان النهار قد أفل، والوقت مضى سريعاً، فقامتْ هدى بإيصال عبير إلى منزلها فتعانقتْا، مع شعور بالامتنان يغمر هدى للهفة صديقتها، ناسيةً زوجها الذي يكون قد عاد إلى المنزل بعد نهار مضنٍ في العمل الشاق، دون أن تقوم بتحضير طعام الغداء له، ثم غادرت بدورها.
وقفتْ عبير على باب البناية وهي تشعر بالزهو، وقالتْ لنفسها: الله الله ياعبير، أنتِ لستِ بارعة الجمال فقط.. بل شيطانة أيضاً.. أنا ومن بعدي الطوفان، مكان هدى هو مكاني ومحال أن استسلم …..

يُتبع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منصورة قويومجي، كاتبة سوري مقيمة في بريطانيا – مدينة مانشستر. خريجة لغة عربية في جامعة دمشق. مؤلّفة (حكايات بنايتنا) مجموعة من القصص القصيرة.
مشاركة في مجلة صوت “سوريات نت” ببعض القصص القصيرة مثال (شجرة الزيتون) و (يسكنني حلم) ..

الرواية نت