نوفمبر 17, 2018
  • نوفمبر 17, 2018
نوفمبر 3, 2018

ألف كابوس وكابوس روضان الخالدي/ ترجمة ميادة خليل 

By 0 103 Views

حدث هذا منذ عامين وما زلت أتذكره كما لو حدث بالأمس. عندما أفكر به، أتجمد من الخوف. تغيرت في تلك اللحظة إلى شخص آخر تماماً وأعلم بأنني سوف لن أكون ذلك الشخص نفسه بعد الآن. كنت نائماً إلى جانب حبي الكبير لوتّه. في تلك الليلة أقمنا حفلاً بمناسبة مرور عشر سنوات على بقائنا معاً وكنا قد ذهبنا إلى الفراش في حوالي الساعة الرابعة والنصف. حلمت حلماً كما لو كان حقيقة. أني في غرفة دائرية، حيث الجدران مرايا، كما هو الحال مع السقف والأرضية. حيثما أنظر أرى نفسي.

عندما استيقظت، كان الوقت ما بعد الظهر تقريباً، بحثت عن لوتّه، لكن بدل أن أراها رأيت شخصاً يشبهني تماماً. فكرت في أني ربما أصبحت لوتّه. ذهبت إلى الحمام ونظرت في المرآة، ورأيت نفسي كالمعتاد. تلمست جسدي، ربما ما زلت نائماً، إلا أني كنتُ مستيقظاً.

رأيتُ في غرفة النوم نفسي مستلقياً على جانب السرير حيث تستلقي لوتّه دائماً. فتحت الستائر ونظرتُ إلى الخارج ورأيتُ شيئاً سوف لن أنساه أبداً. الجميع يشبهني، الرجال والنساء والأطفال. أغلقت الستائر مفزوعاً وذهبت إلى الفراش مجدداً. أردت العودة إلى النوم لأهرب مما رأيت، قلت لنفسي بأني مؤكد ما زلت أحلم. لا أعلم كم مرة رددت هذه الكلمات قبل أن تهزني لوتّه لتوقظني، لأنها ظنت بأني حلمت بكابوس. فتحتُ عيناي وحلمتُ بنفسي، أرتدي بيجامة لوتّه.

“هل أنت بخير؟” سألتني.

“نعم” قلت. كنتُ في حيرة من أمري. لم أعرف كيف يمكنني قول أني لا أراها، بل أرى شخصاً يشبهني تماماً مثل قطرتا ماء. استحممت بماء بارد، لعلي أصحو ويعود كل شيء إلى طبيعته، لكن عندما دخلت المطبخ، كانت لوتّه ما تزال تشبهني.

خرجت من المنزل. حيّاني جاري فيم الذي يسكن المنزل رقم 201. كان يشبهني. ريخينا زوجته التي تزعجني دائماً، كانت تشبهني أيضاً.

يا إلهي، ماذا حدث؟ فكرتُ مرتعباً.

قدتُ دراجتي الهوائية مسرعاً إلى الحديقة العامة. هناك كان يجلس سكران على أريكة. شعرتُ بالراحة، لأنه لم يكن يشبهني. حضنته، وأعطيته 25 يورو كانت في محفظتي. شعرتُ كما لو أن عقلي أصبح جزءاً مني من جديد عندما رأيتُ متشرداً آخر لا يشبهني جاء وجلس إلى جانبه. جلستُ بينهما على الأريكة لأقترب منهما.

كما لو أني استيقظت من  أغرب كابوس في حياتي، قلت لنفسي. لكن بعد لحظات مرت سيدة مع كلب وفزعتُ من كونها تشبهني وكلبها أيضاً. رجل آخر له رأسي يمشي بالقرب مع كلبين. الكلب المربوط بحزام يشبهني، والكلب بلا حزام لا يشبهني. أمسكت رأسي بكلتا يدي بقوة، خوفاً من أنه سوف ينفصل عن جسدي ويتدحرج على الأرض. عندما اختفى الدوار، قدتُ دراجتي الهوائية نحو مركز المدينة. الجميع هناك يشبهني. دخلت المقهى*، لأن المشردان السكرانان في الحديقة لا يشبهاني، ولعل الحشّاشون أيضاً، وهذه الفرضية كانت صحيحة، لأن الفتاة خلف البار تشبهني لكن الآخرين الذين يدخنون ويشربون لا يشبهونني. اتخذتُ مكاني عند البار.

“هَي يا رجل، هل كل شيء على ما يرام؟” سألني أحد الشباب الذين يجلسون إلى جانبي.

“في الحقيقة، لا” قلت.

“ماذا حدث إذن؟”

“استيقظتُ اليوم صباحاً والجميع يشبهني. الرجال والنساء والأطفال، عدا المدمنون في الحديقة والناس هنا”.

ضحك الشاب بقوة وسحب نفساً من سيجارة الحشيش الملفوفة خاصته.

 

“نحن لا نشبهك لأننا استثنائيون جداً. الآخرون ليسوا كذلك. إنهم مثل الخراف في القطيع، كلهم متشابهون”.

خلال وقت قصير جداً ثرثر حولي جميع من في المقهى. “ربما لا يشبهك الآخرون، لكن أنت من تشبههم” قالت الفتاة. قال الآخرون بأن هذا كلام فارغ ويجب أن لا أعير الأمر أي اهتمام، لأني سأرى العالم بعد قليل بشكل آخر. قدتُ دراجتي عائداً إلى المنزل وفكرة مخيفة ملأت رأسي: أن لوتّه التي أحببت لم تعد نفسها لوتّه بعد الآن، لكنها شخص آخر يشبهني.

في المنزل، نظرت إليها بفضول، وما أشعرني بالعجز هو أنها ما تزال تشبهني تماماً. لاحظت للمرة الأولى أنها تستمع إلى الموسيقى المفضلة لدي.

“عندما التقيت بكِ، كنتِ تستمعين إلى موسيقى أخرى”

“هذا صحيح، لكنك لا تحبها” قالت. “وآخ، الآن أنا اعتدت على الموسيقى التي تحبها أنت”.

ذهبتُ إلى العليّة ووجدت قرصاً مضغوطاً في صندوق. جلستُ في الطابق السفلي وفكرتُ ملياً. تغيّرت لوتّه منذ أن عرفتها. حتى عطرها تغيّر، تماماً مثل طراز ملابسها والأثاث في المنزل والبرامج التي تشاهدها وهواياتها وثرثرتها والبارات التي ترتادها والطعام الذي تجده لذيذاً والأماكن التي تحجز لقضاء العطلة حتى تسريحة شعرها ووقت نومها تغيّر. الأمر الوحيد الذي لم يتغيّر هو الشاي الذي تشربه، وإلا ستصاب بمشاكل في معدتها.

تلك الليلة لم أستطع النوم إلى جانبها وبقيت في غرفة الجلوس. تأملتُ صورها قبل أن تعرفني. هل ظلت تلك الفتاة نفسها؟ علاقتي بها أجمل ما حدث لي في حياتي، والآن هي مهددة بالانتهاء في رعب كبير: إنها تشبهني.

في الليالي اللاحقة أيضاً لم أستطع النوم إلى جانبها، وبعد مضي أسبوع جاءت ذات مساء إلى الطابق السفلي وسألت إن كان ثمة امرأة أخرى في حياتي.

“نعم” أجبتها.

“من هي؟” سألتني.

“هناك” قلت وأشرت إلى صورة لها قبل أن تعرفني.

“لكني ما زلت معك؟”

“لا، لقد أصبحتِ شخصا آخر يشبهني” لم تفهم لوتّه أني قصدت ما قلت حرفياً.

بعد ثلاثة أشهر من المعالجة العاطفية أنفصلنا عن بعضنا، لأني لا أستطيع العيش مع نفسي طوال الوقت. كنت أعيش في جحيم. لم أعد أتمكن من الاستلقاء على الأريكة في غرفة الجلوس فيما أسمع نفسي أستحم تحت الدوش. لم أعد أستطيع الجلوس خلف الكمبيوتر مع ألم في الرأس ومستلقياً على الأرجوحة الشبكية في الوقت نفسه. خرجتُ من حياة لوتّه وأخذتُ معي فقط صورها قبل أن تعرفني.

سكنت في سكن متنقل، خارج المدينة بحوالي سبعة كيلومترات، وأمضيت الوقت بالمشي بين الأشجار التي لا تشبهني. لم أعد أرى أحداً. أشعل الشموع مساءً وأتأمل صورة لوتّه. ضوء الشموع يجعلها تتموج. هكذا أقضي الوقت. أذهب مبكراً جداً إلى المدينة مرة كل شهر للتسوق، حتى أرى أقل عدد ممكن من الناس الذي يشبهونني. عندما أشعر بالوحدة أحياناً، أتوجه إلى الحديقة العامة في طقس سيّئ لألتقي بالسكارى الذين لا يشبهونني، أو أتسلل إلى المقهى وأجلس بين متعاطي المخدرات. ما أتجنبه حقاً هو المرايا. المرايا ترعبني.

رأيت ذات يوم في السوبر ماركت أن الرجل خلف منضدة البيع والعاملين الآخرين لم يعودوا يشبهونني كما أعرف نفسي. كانوا أنحف وغير حليقي اللحى وشعرهم أطول. إنهم يشبهون السكارى والمتشردين. بعد العيش لعشرة أشهر في سكن متنقل في الغابة، ربما أبدو الآن مثلهم، فكرت. لكني رأيت أيضاً بأنهم جميعاً مختلفين عن بعضهم بعض الشيء، لأن الفتاة في قسم اللحوم ليس لديها شعر على وجهها، بل على ذراعيها. ووجهها كان مدوراً. هي تشبه لوتّه أكثر مما تشبهني. تجرّأت في ذلك اليوم على الذهاب إلى مركز المدينة لأول مرة. رأيتُ أن كل الرجال أصبحوا يشبهون المشردين، وكل النساء يشبهن لوتّه. ذهبتُ مساءً إلى شارعنا القديم خلسة. كانت الستائر مغلقة. وبالاقتراب من النافذة ومن خلال فتحة صغيرة رأيت لوتّه تجلس في غرفة الجلوس إلى جانب رجل يشبهني. كانا يجلسان على الأريكة التي اشتريناها بعد مضي ثمان سنوات على علاقتنا معاً. سمعتُ الموسيقى التي كانت تسمعها لوتّه في الأشهر الأولى بعد لقائنا.

فرحت لأن لوتّه لم تعد تشبهني ولم تعد وحيدة. مضيت إلى شارع آخر وهناك تجرأت على النظر إلى وجهي في مرآة سيارة. كان وجه آخر. قفزت من السعادة. لم أعد أعرف نفسي في المرآة مطلقاً. عدتُ إلى السكن المتنقل وفكرت في الرجل الذي رأيته مع لوتّه. من كان هذا؟ مؤكد كان يشعر بأنه أسعد رجل في العالم. لكني كنت أكثر سعادة منه. لأني لا أشبهه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

روضان الخالدي: كاتب وروائي وشاعر هولندي – عراقي. هذه القصة من مجموعته القصصية “ألف كابوس وكابوس” التي صدرت العام 2017

*المقصود بالمقهى هنا هو الكوفي شوب.

 

الرواية نت