أغسطس 25, 2019
  • أغسطس 25, 2019
  • Home
  • قراءات
  • أرشيف الذاكرة ومعاناة المرء.. “المسخ” لكافكا
أكتوبر 31, 2015

أرشيف الذاكرة ومعاناة المرء.. “المسخ” لكافكا ريمه الشّعّال

By 3 235 Views

يمسك كافكا بأيدينا لندخل من ثقب باب غرفة جريجور المعتمة، نُلقي هلعاً نظرةً شاحبة على الجسد الضخم، وهناك حين ندرك بأننا مع رحلة بلا مقدمات، بداية مباشرة، في قلب الحدث، عندما فتح جريجور عينيه ليجد قوام صرصار هائل وأرجل متعددة تتحرك في جميع الاتجاهات، عدا الاتجاه الذي يريد، وهو خارج فراشه الضيق، المحاصر بأثاثٍ مزدحم وسجادة قديمة.
تتوالى الأحداث لتشرح لنا وضع جريجور العائلي والوظيفي واللامبالي، يُدرك بأنه لم يعد الإنسان الذي عهده دائماً ورغم رؤيته للتبدلات الفيزيولوجية في تكوينه، مع اختلالٍ واضحٍ في نسيج أحباله الصوتية، إلّا أنه هادئ لدرجة مستفزة، يائس من حياته تماماً، وكأن تجاربه صقلته كي لا يعنيه شيء، ولا حتى حقيقة تحوله إلى صرصار!
تستمر معاناة جريجور، يمتد ويعتصر نفسه ويتأرجح في محاولاتٍ يائسة لكسر قيده، يرتمي أرضاً، تتكاثر الأصوات حوله بالتدريج، أمه بدايةً ثم أخته وأبيه والباشكاتب الذي أتى مستطلعاً مؤنباً، ينهش في دماغ جريجور حكايته الوظيفية أكملها، لينهش جريجور بدوره مفتاح الباب الموصد.
“كانت ثمة صورة فوتوغرافية معلّقة على الحائط له في ملابس الخدمة العسكرية كملازم، يده على مقبض السيف، وعلى ملامح وجهه ترتسم ابتسامة ثابتة، تدعو المرء إلى تقدير بذلته ورتبه العسكرية”
أين ذاك الملازم الآن يا جريجور؟ وقد اختفى خلف دقات الساعة السابعة، وخلف جسد صرصار مثير للاشمئزاز بشتى صوره؟ أنقول بأن المسخ هو كتلة من الأحاسيس المتراكضة بين جريجور الواثق الفخور سابقاً وجريجور البائع المتجول الذي يتحكم به رئيسه والباشكاتب وعائلته ونظامه الرتيب إن لم تكن الأرض والسماء التي تطبق على رئتيه، فاختار لا واعياً بصمت أن يزحف كأي حشرة إلى المثوى التحت أرضي، ليقول كما أتخيل: أنا أنتمي هنا، ربما، أو أنتمي إلى هناك فوق حينما أعود بشرياً خارجاً وداخلاً، أعود الملازم جريجور ذات يوم، وإلى أن يحين ذاك التوقيت سأبقى صرصاراً ضخماً لا ينتمي إلى أفقٍ محدد، أكبر من أن يختفي في بالوعة، وأصغر من أن يكون إنساناً سوياً.
يخاف جريجور من قرض ألسنة العاملين له أثناء غيابه، كما خشي أن يكسر قرضه للمفتاح طريقه الوحيد لشرح موقفه، إنه يقف بينهم ولكنهم لا يسمعونه، وكأنها لعنة المقهورين بأحمالٍ أكبر من حجمهم، لا يفقه ما يقولون أحد في شتى الأحوال الاعتيادية، كما يشذون عنهم بأبصارهم حين يتجاوزون ما هم عليه، حين يتحولون لشيء غريب جداً بعيداً عن طبيعتهم المألوفة.
نرى جريجور محاصراً تحت سطوة والده، يخشى أن يسلك طريقاً أخف وطأة كي لا يعانده، يغفل حقوقه، حقه في أن يختار عملاً أفضل، ربما حقه بألا يكون معيلاً كاملاً لعائلته في وظيفة قميئة، عدا حقه المسلوب في تشريح مفردات معاناته فوق منضدة والده وجرائده، وكَسرِ عصاه ليسمع صوت ألمه المتضخم واحتقاره المكبوت لنفسه، عوضاً عن تلك الدقات المتوالية القاسية على أرض الغرفة، والسجن المُنتظر بجدران من وحشة على حافتها الباردة.
لا يمكننا القول سوى أن جريجور كان يحمل الصرصار معه أينما حل، في رحلاته عبر القطار من وإلى عمله، في حقيبته، والأسوأ في دماغه، إنما كان تحوّله الكبير نتيجة تراكمية، ربما بداية التحوّل بدأت من سريره، خُلقت من نومه، لعلها كناية عن جميع الإشارات التي تغافل عنها و”نام” عقلياً مشيحاً بفكره، مما قاده نهاية إلى هذا القدر المؤلم. لكلِ تحوّلٍ جذري في نظري درجات يقطعها المرء، واعياً أو لا واعياً، ولكنَّ الطريق المقطوع نفسه، والنتيجة الحتمية موجودة دائماً، وتبقى درجة المفاجأة في نهاية الطريق متفاوتة.
نكمل الرحلة البائسة، ونشهد التقلبات التي خضعت لها العائلة إثر فقدان معيل أسرتهم، وهنا نلحظ الانتقال من حالة الرخاء التي أمّنها جريجور لعائلته إلى حالة من الفقر لدى تحوله، ورغم أهمية جريجور كأحد أعمدة الأسرة فقد تم إهماله رغم دوره الرئيسي بتأمين الحياة المرفهة لعائلته وتحمل عبء المصروف التام. بينما نرى العكس تماماً في حياة الكاتب كافكا والذي كان والده تاجراً ثرياً وانتمى لطبقة ارستقراطية.
اختصر كافكا مطالبه ومطالب الشخصية الرئيسية جريجور ضمن هذه الجملة “فقد كانت التفاحة قد انغرست في جسمه كذكرى مرئية .. طالما أن أحداً لم يغامر بإزالتها وكأنها قد دفعت حتى والده نفسه إلى أن يتذكر أن جريجور كان واحداً من أفراد الأسرة، على الرغم من تعاسته الراهنة، وهيئته البشعة، ولا تجب معاملته باعتباره عدواً، وأن واجب الأسرة، على العكس من ذلك يقتضيها نبذ القرف، ومعالجة الصبر ولا شيء غير الصبر” هذه لحظة الصدق التي طلبها من عائلته حقاً ولم تلقى سوى إمعاناً بالهجر والتجاهل رغم حالته السيئة وحاجته الماسّة إلى بارقة تعاطف. يقودنا هذا الإهمال المتعمد نحو استسلام جريجور لموته حين ماتت فيه آخر ذرة أمل، المتمثلة بشقيقته جريتا، التي كانت تمثل له بصيص النور في ذاك المنزل، البصيص الذي كان مستعداً لرعايته وهدهدته وإبقاء بريقه بعيداً عن أنامل الظلام، لنجد بأن جريجور أدرك ألّا مكان له بعد الآن بينهم، خصوصاً حينما خسر حليفه الأكبر بنظره واستشف حقيقة موقفها.. وكان أن أنهى عذابه بيديه وأضرب عن الحلم بالعودة .
“تنسى كأنك لم تكن”
حرفياً هذا ما حصل ليجريجور في النهاية، مُحي من الذاكرة وتنكرت له مشاعر الحنين في نفوس عائلته، أصبح “ذاك الماضِ التعس” رغم أن ماضيه قبل شهور فقط كان من أقام أسس تلك العائلة الماليّة والحياتية. يصب كافكا مشاعر الانهزامية الواضحة لدى جريجور والنكران الكبير لعائلته، لتجعلنا نتعاطف مع الصرصار الدخيل ونرفض ردة فعل الأسرة، يبقى السؤال نهاية: أليس من غير الممكن التعايش مع حشرة عملاقة في وسط المنزل؟ هل يُعتبر جريجور هو الضحية هنا؟ أم هو من دفع الصرصار الذي في داخله ليطفو على سطح الوجود؟ أللعائلة الحق في حذفه من أرشيف الذاكرة بعد المعاناة التي تجرعوها علقماً إثر تحوله؟ أستصبح نظرتك للصراصير مختلفة إثر هذه الرواية؟!

كاتبة من سوريا
الرواية نت

3 تعليقات
  • LinkAdalt 4 سنوات ago

    He drew the line for her at $100 a day.

  • OliaprAmb 4 سنوات ago

    Hay. A new car is high on my list of priorities. A new TV is not high on my list. http://nar-shippuuden.3dn.ru/index/8-5251 .

  • tinder dating site 4 سنوات ago

    Hey! I’m at work browsing your blog from my new iphone 4!
    Just wanted to say I love reading through your blog and look forward to
    all your posts! Keep up the outstanding work!

Comments are closed