أدب بوهيميا: التراجيكوميديا في مواجهة الاستبداد

أدب بوهيميا: التراجيكوميديا في مواجهة الاستبداد

نماذج روائية لكافكا، هرابال، كونديرا وكليما

 

بوهيميا هي تلك المنطقة التاريخية في أوروبا الوسطى، ما صار حاليا جمهورية التشيك في جزء كبير منها. لكن الكثير من التشيكيين ولاسيما المثقفون لا يزالون يفضلون التسمية القديمة لدلالتها التاريخية والشاعرية.

وبالرغم من عراقة هذه الثقافة وادبها، إذ أن أولى المحاولات الرائدة الشعرية والسردية والملاحم الفروسية تعود إلى القرن الحادي عشر بعد الميلاد، إلا أن الازدهار الحقيقي لها كان مع بدايات القرن التاسع عشر خاصة في مجال الشعر، إلى أن وصل إلى ذروة التصاقه وتأثره بالأدب العالمي مع مطلع القرن العشرين. لكنه خلال هذا القرن كذلك عانى وخسر الكثير خاصة في فترة بين الحربين الكونيتين وما بعدهما، إذ سجن وقٌتل وهُجّر عدد لا يحصى من المبدعين في تلك الفترة العصيبة من تاريخ بوهيميا، والتي ما كانت لتصمد أمام حقبة الجنون الإنساني تلك لولا صمود ورباطة جأش ثلة من المثقفين قاوموا كل الظروف المسلطة عليهم من خلال سلاح السخرية والتمرد ضد مساعي طمس الثقافة والهوية الوطنيين، وهم الذين سنحاول تسليط الضوء على نفر منهم في هذا الملف.

 

كافكا: العراب الحزين

 

بالرغم من التاريخ المشرّف للثقافة التشيكية، إلا أن الأدب هناك يكاد يصنف اليوم إلى ما قبل كافكا وما بعد كافكا، إذ لا نكاد نعثر على روائي كبير ذي أثر هام في الأدب التشيكي لم يشر من بعيد أو قريب إلى أعمال فرانز كافكا أو يتأثر بها ضمنيا، فهذا الأخير يعد أيقونة ذات صيت وتأثير لا يختلف فيه اثنان في أوروبا والعالم.

كان كافكا طوال حياته الكاتب المنبوذ الذي عانى الأمرين بين الإحساس بالاغتراب وعدم الانتماء للمجتمع التشيكي الذي يعيش فيه كونه يهودي ويتكلم الألمانية ويكتب بها، وبين سطوة الأب وحرمانه إياه من إتباع الطريق التي يتوق إليها، وذلك بتعلّة الحفاظ على ثروة العائلة، ما دفع بكافكا إلى مغادرة منزل الأب و ممارسة أعمال بعيدة عن شغفه من أجل تسديد نفقاته الخاصة.

هذه اللا انتماء الذي عانى كافكا منه، أو سعى إليه، كان أحد أهم العوامل التي شحذت تجربته الأدبية والحياتية، ذلك بالإضافة إلى فشله الاجتماعي الذريع، إذ لم يكن له تقريبا أي أصدقاء (ما عدا قلة من أمثال الأديب ماكس برود الذي سنتناول علاقته به لاحقا) فضلا عن علاقاته العاطفية المحبطة للسبب ذاته تقريبا في كل مرة: عدم القدرة على الانصهار بالآخر.

يقول عنه إيفان كليما الحائز على جائزة فرانز كافكا الوطنية لسنة 2002:

 كافكا لم يصور أي شيء غير الواقع في حياته نفسها. لقد قدم نفسه حيوانا، أو استلقى في السرير في آلة إعدام متقنة الصنع حتى يعاقب نفسه عن ذنوبه. كان يشعر بالذنب لعدم قدرته على الحب كما أراد أن يحب على الأقل. لم يكن قادرا على القرب من أبيه، ولم يكن قادرا على أن يصل مع امرأة، معا. كان يعرف أنه في توقه إلى الصدق كان يشبه من يطير، وكانت حياته أشبه بطيران تحت سماء لا تنتهي حيث يكون الطائر وحيدا على الدوام، وحيث يتوق عبثا إلى تواصل بشري، وكلما طار أكثر كلما ازداد ثقل الذنوب على روحه.

 

القصر، المحاكمة، الانمساخ، تحريات كلب، بالإضافة إلى الرسائل العاطفية والعائلية، كلها أعمال خالدة لم تر النور إلا بعد وفاة كاتبها، رغم أنه أوصى بإتلاف كل ما خطته يداه وإحراقه، في دليل آخر عن العلّة التي تسكن هذا المبدع والتي تمنع عنه أي علاقة تفاعلية أو تواصلية مع عالم الأشياء والأشخاص.

وكما كانت كتابات كافكا تتسم بالغرابة والكابوسية، كان كذلك طريقها إلى القارئ التشيكي والألماني ثم العالم طريقا محفوفا بالعجائب، إذ أن روائعه كانت محكومة بالضياع والاندثار لولا تضافر مجموعة من الصدف التي مكنتنا من قراءته اليوم، إذ رغم أنه أوصى كما قلنا بإحراق جميع ما كتب بعد موته، إلا أن صديقه المقرب خيّر خيانة وصيّته، وقام بنشر أغلب أعماله، وكًتبَ ينظّر لها ويشرحها ويدافع عنها، هذا الخائن الشهم هو الكاتب ماكس برود.

 

مواجهة الاحتلال الثقافي ومحاولات محو الهويّة

 

في القرن العشرين حيث كان يُنتظر من الأدب التشيكي أن يزدهر ويحقق تراكما كميا ونوعيا، مثلما كان الحال في مختلف بلدان أوروبا، كان قدر بوهيميا أن تخرج بالكاد من تحت وطأة احتلال عسكري وثقافي لتدخل في فترة وجيزة تحت آخر.

كان اجتياح قوات ألمانيا النازية للأراضي التشيكية (تشيكوسلوفاكيا آنذاك) سنة 1942 تحت ذريعة حماية الأقلية الألمانية هناك أحد بوادر اندلاع الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت حكاية معاناة الكتابة والكتّاب في هذا البلد الصغير، إذ كانت الحرب الكونية من الجنون والفتك بحيث أتت على كل مظاهر الحياة وتمظهراتها، وفي مقدمتها الفكر والأدب وكل أنواع المقاومة اللاعنيفة.

هذا التضييق الممنهج على الثقافة والملاحقة والاستهداف الجسدي للأدباء كان سببا في تكوّن قاعدة كبيرة للأدب شعرا و نثرا كان يُكتب و ينشر سرّا في ما عرف بال Samizdat و هي طريقة مبتكرة في النشر تقوم على إعادة طبع الأعمال الممنوعة باليد و تداولها سرّا بين المعارضين والثوريين، وقد لعبت دورا كبيرا في انتشار أعمال هامة لهرابال واوتا بافل Ota Pavel  و جان لوباتكا Jan Lopatka والكثيرين غيرهم.

في خضم مرحلة الاحتلال الألماني يتنزل أحد أهم الأعمال الروائية التي وثقت لجانب من المقاومة الشعبية ضده، وهي رواية “قطارات تحت الحراسة المشددة” لبوهويل هرابل الذي يعتبر أيقونة الصمود والثبات أمام ماكينة الصنصرة للنازيين في مرحلة أولى، ثم في مواجهة الاجتياح الروسي والبروباغاندا الشيوعية فيما بعد.

تحكي الرواية قصة شاب يدعى ميلوش يشغل خطة عامل متدرب في إحدى محطات القطار، في فترة كانت فيها المقاومة المسلحة ضد الألمان في أوجها وكانت القطارات التي تحمل المد اللوجيستي والأسلحة لجنودهم، تتعرض للاستهداف بالتفجير بصفة مستمرة. لكن بالتوازي مع ذلك، كانت هناك معركة أخرى تجري داخل الشاب ميلوش، حيث كان يعاني من مخلفات نفسية لليلة حب فاشلة مع صديقته لم يقدر خلالها على أن يثبت فحولته لها. هكذا تجري الأحداث متسارعة والشاب مقذوف به في أتون هاتين الحربين، حيث تتكاثف الأسئلة في ذهنه عن مصير البلاد والعباد في النفس الوقت الذي تأرّقه فيه مسألة قدرته الجنسية، إلى أن يلتقي الخطان المتوازيان في آخر الرواية حيث تساعده امرأة غريبة على إثبات رجولته لنفسه، قبل أن يصبح مستعدا لإثباتها أمام العالم بأسره، حيث تصله في الأثناء دعوة من المقاومة بأن يساهم في نسف إحدى القطارات، وهو ما يستجيب له من دون أي تردد بعد أن صار أخيرا واثقا من رجولته بما لا يدع مجالا للشك.

من خلال هذا العمل الصغير في حجه، الكبير في قيمته الفنية، استطاع هرابال أن يؤكد أن أدب المقاومة، فضلا عن خيار المواجهة المباشرة مع الغازي والمحتل الذي لا ننكر أهميته كرد فعل في مواجهة اضطهاد الإنسان ومصادرة عقله، ينبغي أوّلا أن يحمل همّا إنسانيا وجوديا ونفسيا. فالفن عموما والأدب بصفة خاصة يفقد حتما صفته ونَفَسه الإبداعي إن هو تحول إلى خطاب سياسي أو ايديولوجي جاف (بروباغندا / بروباغندا مضادّة) وتناسى أو أهمل أو تعالى على الوجع الإنساني الذي هو كُنه الوجود البشري.

بعد انتهاء الحرب كانت تشيكوسلوفاكيا تتنفس الصعداء، ظنّا منها أن غول النازيين كان آخر الأحزان، فعادت الحركة الثقافية تنشط كما كانت في سابق عهدها بل وأفضل، مستفيدة من الإفراج عن تلك الأعمال من المعيار الثقيل التي كتبت ونشرت وانتشرت سرا في حدود ضيقة خلال فترة الاحتلال.

في أغسطس 1968 استيقظ الشعب التشيكي على هدير الدبابات الروسية وما عرف بحلف وارسو وقد اجتاحت البلاد واجهضت ربيع براغ، ومع ذلك الاجتياح العسكري كان المبدعون يشتمّون رائحة سحب يعرفونها جيّدا، هي سحب المصادرة والتضييق مجددا.

من بين الكتاب الذين عانوا التتبع والتجويع في عهد الاتحاد السوفييتي نذكر ميلان كونديرا، الذي تم تسريحه من عمله كمدرّس، وصودرت كتبه من المكتبات برغم أنه كان عضوا في الحزب الشيوعي ومؤمنا بالمشروع الاشتراكي، إلا أن طريقته الجدلية وحس النقد اللاذع الذي تتميز به شخصيته و نقلته إلى ما يكتب أثبتت مع الوقت أن لا مكان له في نظام لا مكان فيه لليونة في التفكير خارج قالب الايدولوجيا المتحجر.

لعل ما حدث مع كونديرا هو ما جسده، أكثر من أي عمل آخر، في روايته “المزحة” التي منعت من النشر في تشيكوسلوفاكيا ولم تر النور إلى فيما بعد حيث تمكن أصدقاء من تهريب المخطوط وايصاله إلى صاحبه الذي سبقه إلى فرنسا هربا من الملاحقة والتجويع الممنهج.

تتمحور الرواية كما يدل عنوانها حول مزحة، تصدر عن بطل الرواية تتطور تدريجيا و بصورة دراماتيكية لتقلب حياته جحيما، والبطل لودفيك هو في الأصل عضو لجنة الطلبة في الحزب الشيوعي) يقع في غرام ماركيتا، وهي فتاة أكثر التزاما و تقيدا بالقيم الاشتراكية التي يبثها الحزب، إلى درجة أنها رغم حبها له تفضل في كل مرة حضور اجتماع شعبي أو الخروج في مخيم أو دورة تدريبية ضمن العمل التطوعي للحزب، على أن تحضا بلقاء حميم معه، إلى أن طفح به الكيل و قرر أن يرسل لها رسالة حيث يقول:

إذا تأملنا كل الأمور جيدا فقد كنت من الصميم موافقا على كل تأكيدات ماركيتا. بل كنت أؤمن مثلها بالثورة في أوروبا الغربية. لم يكن هناك سوى شيء واحد لم أكن أقرّه: أن تشعر بالسرور والسعادة فيما كنت أحن إليها. وعند ذلك اشتريت بطاقة بريدية وكتبت لأجرحها، لأصدمها، لأحيرها: “التفاؤل هوافيون الجنس البشري. الروح المعافاة تفوح بنتن الغباء. عاش *تروتسكي”

(ليون تروتسكي هو المنظر الأول للثورة البلشفية صحبة لينين، والذي استبعده ستالين فور وصوله إلى الحكم ولاحقه بتهمة الخيانة قبل ن يتمكن من تصفيته.)

 

هكذا إذن كان الأدب التشيكو سلوفاكي يقف وقفة تاريخية أمام التضييق المتتالي وقمع السلطة سواء كانت خارجية أو من أولاد البلد، وفي وقفته تلك كان سلاحه الأقوى هو السخرية والكوميديا السوداء التي لا تكاد تخلو منها أغلب الأعمال التي كتبت في مراحل مختلفة من القرن العشرين، إذ قال كونديرا أن “المزحة” هو عنوان صالح لكل رواياتي.

هذا النهج إن كان يعتمد على النكتة والمفارقة الهزلية، إلا أنه لم يكن عابثا و غير مبالٍ، ذلك أن أقوى الأسلحة في مواجهة تحجّر الأيديولوجيات والسلطات الشمولية هي عدم أخذها على محمل الجد،  والسخرية منها واظهار ثغراتها ومواطن ضعفها من خلال النكتة والسخرية،  وهو ما نجح الكثير من الكتاب في تحقيقه و بالتالي إزعاج السلطات التي تحركت لتلاحقهم و تضيق عليهم في بلادهم أو تلفظهم إلى أقاصي الأرض.

 

أدب المهجر: منارة خارجية تنير عتمة الوطن

 

يعد الأدباء التشيك في المهجر من أكثر الكتاب الذين ثبتوا على عهد المقاومة ومواصلة المشوار الثوري الذي بدؤوه في وطنهم وبسببه أطردوا منه، إذ ما إن يفر الواحد منهم إلى الخارج حتى يشرع في عملية تموقع وحشد للقوى استعدادا لتسخير حياته و كل ما يملك من أجل استئناف النضال بالقلم والتعريف بالقضية و مد يد العون إلى الأصوات الحرة التي لا تزال تصارع بالكلمة والفن داخل البلاد.

واذ يجري الحديث عن أدب المهجر التشيكي، عادة ما يتذكر الناس الروائي والناقد ميلان كونديرا الذي هاجر إلى فرنسا واستقر بها منذ 1975 وتفرغ كليا إلى الكتابة حيث استطاع في ظرف وجيز أن يصنع لنفسه جمهورا كبيرا من القراء في أوروبا وامريكا مستفيدا من التعاطف والمساندة الخاصة التي كانت تكنه أوروبا الغربية وامريكا الشمالية لضحايا الاتحاد السوفيتي من الانتلجنتسيا.

لكن العالم كان قد عرف في الحقيقة العديد من الأدباء والمثقفين غيره الذين أعطوا الكثير للأدب المنبوذ لعل أهمهم الشاعر والروائي جوزيف شكورفسكي الذي غادر بوهيميا مباشرة إثر الاجتياح السوفيتي في عام 1968 ليستقر في كندا حيث أسس بعد ثلاث سنوات بمعيّة زوجته 68 Publishers  وهي دار نشر اختار اسمها ليخلد تاريخ الاحتلال وكرسها بالكامل للدعم والتعريف بالكتب التشيكية الممنوعة بلغتها الأصلية كما اهتم بترجمتها للإنجليزية.

من أهم ما صدر عن هذه الدار: رواية شكورفسكي التي تسببت في ملاحقته “جمهورية القحاب”، ثم “موسم التضخّم”،  و”الجبناء” وغيرها من أعماله المثيرة للجدل،  التي يغلب عليها الطابع الكوميدي والاستهزاء بالأنظمة الشمولية و هشاشة إيديولوجياتها.

صدر عنها كذلك أعمال روائية قيّمة لبوهوميل هرابل و كونديرا والمحلل النفسي جان كريشالدو  Jan Křesadlo،  فضلا عن نشر ديوان لياروسلاف سيفريت Jaroslav Seifert التشيكي الوحيد الحائز على جائزة نوبل للآداب.

كما تعاملت الدار بالنشر والتعريف مع الأديب فاكلاف هافل  Václav Havel الذي قام لاحقا بتكريم الدار والزوجين المؤسسين لها بمنحهما وسام الأسد الأبيض و هواعلى أوسمة الدولة، وذلك إثر صعوده إلى الحكم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.

 

لعنة مشتركة: القراءات الخاطئة و سوء الفهم

 

رغم النجاحات الكبيرة التي حققها الأدب التشيكي خلال القرن العشرين وامتدت سمعته إلى ما بعده، مع زمرة من الكتاب الذين استلموا المشعل عن الأجيال الذهبية، إلا أن معضلة القراءات الخاطئة ظلت تطارد معظم الأيقونات الأدبية التي أتينا على ذكرها وغيرها. واذ كان لا بد للفنون كونها ليست علما صحيحا أن تُقرأ وتؤوّل بطرق مختلفة وان ينظر إليها من زوايا مختلفة، إلا أن كثرة هذه الاختلافات بالإضافة إلى شقاء كتاب كثر وسعيهم المضني من أجل توضيح مقاصدهم والتبرؤ من القراءات الخاطئة السائدة لأعمالهم يجعلنا نتساءل جديا عن أسباب هذه الظاهرة.

و لعل عرّاب الأدباء التشيكيين فرانز كافكا كان و لا يزال صاحب النصيب الأوفر من التأويلات المتباينة لأدبه الكابوسي الغامض الذي يصعب فهمه، حيث أن صديقه الوحيد “ماكس برود” الذي قام بنشر أعماله بعد وفاته، كان من أكثر من أساء فهمه، إذ أمضي برود حياته مدافعا عن فكرة أن كافكا كان معلّما روحيا وان أعماله السردية والرسائل التي كتبها هي بمثابة ثورة اصلاحية و دعوة ايتيقيّة وايمانيّة.

يقول كونديرا في حوار له مع مجلة “باريس ريفيو” :

 إن الناس لا يعرفون كيف يقرؤون كافكا لأنهم ببساطة يريدون فك شفراته. وبدلا من أن يتركوا أنفسهم لخياله منقطع النظير فيحملهم في طريقه، تجدهم يبحثون عن استعارات فلا يخرجون بأكثر من أكليشيهات: الحياة عبث (أو الحياة ليست عبثا)، لا يمكن الوصول إلى الرب (أو يمكن الوصول إليه) إلى آخر ذلك. ولا يمكن لأحد أن يفهم شيئا عن الفن، خاصة الفن الحديث، ما لم يفهم أن الخيال قيمة في ذاته.

ومن المفارقات أيضا بالنسبة لكتابات كافكا، أن سلطة المصادرة نفسها كانت متذبذبة في موقفها منها، فإذا كان هتلر قد أمر بحرقها، ومن ثم قام الاتحاد السوفييتي بمنع انتشارها بتعلة أنها تحمل أفكارا هدّامة، فقد عاد السوفييت ليرفعوا أيديهم عنها فيما بعد مقرّين بعمقها و بقيمتها الفنية.

كونديرا نفسه كان صرح كذلك أن أعماله إنما تُظلم وتفقد الكثير من معناها عندما يصنفها القراء والنقاد على أنها روايات سياسية، فالمزحة على سبيل المثال التي يعترف أن شهرتها أتت من كون أحداثها تدور، كما أغلب أعماله اللاحقة، في إطار سياسي واجتماعي معيّن وهو الفترة الاشتراكية، إلا أن تناولها من هذه الزاوية وحدها يهمل أكثر ما عملت عليه الرواية، وهي كشف جانب من الوجود الإنساني لم يتم اكتشافه بعد، وهو ما يعتبره الهدف الأسمى لمشروعه الأدبي.

إنه لشيء بديهي أن تتناول الأعمال الفنية التي تظهر في فترات فارقة من تاريخ الشعوب من منطلق سياسي تأريخي وايديولوجي، إذ يبحث المتابعون دائما عن النتاج الثقافي الذي يصاحب ويتمخّض عن تلك الحروب والصراعات الطاحنة، فتاريخ الفنون ليس معزولا تماما عن تاريخ الإنسانية مهما راقنا أن ندّعي ذلك. فالعقل الذي أنتج العمل الثقافي هو نفسه الذي يستيقظ كل صباح وهو يفكر في كيفية كسب قوته وبقائه على قيد الحياة في تلك الظروف التي أجبر أن يوجد في خضمها، أو اختار ذلك، مثلما قدم عليه العديد من الفنانين والأدباء بالسفر إلى بؤر التوتر أو الانضمام إلى الجيوش في ساحات الوغى ليس بدافع الوطنية بقدر ما هو بحث عن الإلهام وتحريك ركود خيالهم وعقم أرواحهم، ولنا في ذلك أمثلة عديدة أهما ما عرف “بالجيل الضائع” الذين شاركوا في الحرب العالمية الأولى، أبرزهم همنجواي و ت.س إليوت وايريك ماريا ريمارك وغيرهم.

لكن في نظرنا، ما يجعل الأدب التشيكي محكوما دائما بسوء الفهم والتأويل الخاطئ يتعدى كونه تناولا سياسيا بحتا ناتجا عن الأزمات السياسية والاجتماعية التي مرت بها بوهيميا، إلى كونه ناتجا عن طبيعة زئبقية وتركيبة معقدة لمعظم الأعمال الكبيرة التي وصلت للعالم، متمثلة في قدر كبير من النسبية التنسيب في الموضوعات التي يتناوله، بالإضافة إلى قدر كبير من المخاتلة في الأشكال والتقنيات المتبعة في هذه الأعمال.

وحتى نعطي أمثلة أكثر وضوحا عن هذه التركيبات الفريدة، سنتحدث مثلا عما يمكن اعتباره تعمدا لاستخدام المفارقات والثنائيات والمتضادات الجمالية داخل العمل الواحد وهوامر يمكن رصده حتى من خلال هوس كتاب بوهيميا بالعناوين الثنائية المتناقضة:

عزلة صاخبة لبوهوميل هرابل

حب و قمامة إيفن كليما

خفة الكائن التي لا تحتمل لميلان كونديرا

الهمجي الرقيق لهرابل

قد لا تكون هذه سوى عناوين لبعض الكتب تندرج ضمن تقريعة ظهرت في القرن المنصرم حيث لجأ العديد من الكتاب إلى وضع عناوين غامضة ذات مدلولات متناقضة لأعمالهم، لكن من يخوض بجدية واهتمام في أدب بوهيميا، يجد أن هذا التلاعب بثيمات الكتاب هو عنصر متجذر ودعامة هامة للرسالة المعلنة والضمنية للكتاب.

في حب وقمامة مثلا، التي يعترف كل من قرأ الرواية أنها عمل فريد وعميق، يسرد كليما بنسق هادئ ورصين حياة البطل وهو كاتب روائي يعود إلى تشيكيا من الولايات المتحدة حيث يفضل أن يعمل كجامع للقمامة على أن يكون كاتبا نخبويا تهلل له الأوساط الثقافية في المهجر. وتمتزج معاناته اليومية مع قصة حب عنيفة ميئوس منها، وهو الرجل الخمسيني المتزوج، فيقع فريسة معاناة سببها مبادئه الشخصية التي يسميها نزاهة ووفاء لزوجته تارة ويصفها بالجبن الشخصي تارة أخرى. حتى إذ تتراكم عليه الهواجس والمخاوف وتأنيب الضمير، فيختلط عنده واقعه بخياله، وتستحيل القمامة حبا والحب قمامة.

عند ميلان كونديرا تتمظهر هذه الثنائيات والتناقضات بصورة أكثر وضوحا وتقريرية، وذلك بفضل أسلوب الكاتب منقطع النظير في المراوحة بين سرد الأحداث الخيالية وكتابة المقالة الفلسفية والتأملية. ففي “خفة الكائن التي لا تحتمل” مثلا نراه يخصص فصولا هامة من الرواية لشرح مصطلحات وتقديم مقاربات لثيمات تشغل باله و تمثل في ذاتها لب العمل لروائي والأدوات التي تصنع منها الأحداث والأشخاص، مثل الثقل والخفة، الجنون والعقل، الحب والإيروتيكية، الحقيقة والخيال.

 

وكخلاصة، فإن الأدب التشيكي في القرن العشرين يضل علامة فارقة في الأدب الأوروبي بفضل هذا الجيل من الأدباء الذين فرضوا أقلامهم على أنظمة كليانية، بفضل روح السخرية والنقد اللاذع، وتظل إعادة قراءة آثارهم في أيامنا هذه لا غنى عنها خاصة بعد تخلصها من لعنة سياقها السياسي الذي تحدثنا عنه.

أما عن التحدي الذي يفترض نفسه في هذا العصر ما بعد الكولونيالي على الجيل الجديد من الكتاب التشيك، كما غيرهم في سائر الأمم، هو البحث عن العدو الجديد للإنسان وثقافته وعقله، والسير على خطى أسلافهم في نخر هذا العدو من الداخل بأساليب لاعنيفة وفنية بحتة.

ــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب من تونس

الرواية نت